بين السطور
إنها المأساة فى أنكى صورها
عندما حدد المشرع سن الزواج بـ 18 عاما للعروسين، فهو بذلك يكون قد تأكد من قوة تحمل الطرفين مسئولية الرباط المقدس بدءا من هذه السن. لأن الفتاة قبل هذه السن تكون فى مرحلة الطفولة بمعنى انها تكون غير مهيأة من الناحية النفسية والثقافية والعقلية والجسدية كى تقوم بمسئولية زوجة وأم، خاصة هذه الايام او هذه الحقبة التى غاب فيها دور الاسرة فى الغالب الاعم من الاسر وانشغال الابوين فى اعمالهما عن اولادهما.
نعم كان آباؤنا وأمهاتنا وأجدادنا يتزوجون فى سن صغيرة، هذا صحيح لأن دفء الاسرة كان يعم البيوت وكانوا يلتفون حول عش الزوجية للعروسين الجدد، ولا يشعروهما بأى نقص خاصة فى الريف بل انهم كانوا يدا بيد مع العروسين منذ الصباحية والفطور حتى فى الولادة من قيام الام بخدمة ابنتها ومساعدة الابوين ماديا للزوج الحديث حتى امدادهما بالمساعدات المادية والحياتية من مأكل ومشرب وملابس ،حتى يقف الزوجان على اقدامهما كأبوين ويكونا اسرة سعيدة فى ظل اسرتهما.
اما الان فقد تبدل الحال واصبح هناك الاب والام يعملان ليلا ونهارا فى ظل الظروف الاقتصادية الطاحنة لتوفير مناخ معتدل للاولاد واصبح التعليم وجوبيا للابن والابنة لاستمرارية الحياة ومواجهة اعبائها مما اثقل كاهل كل فرد فى الاسرة، واصبح تأخر سن الزواج لابد منه حتى تتمكن البنت من اتمام تعليمها وإلمامها بمتطلبات المنزل، وامام كل ذلك تجد ان هناك فى اماكن عديدة خاصة بعض القرى من يلتف حول القانون ويقوم بتزويج الفتاة فى سن صغيرة وهو ما يعرف بزواج القصر أو زواج الاطفال حيث تكون الفتاة فى سن الطفولة ولم تبلغ السن القانونية . مما يجعل الزواج خارج الاطار الرسمى له ويسمى بالزواج العرفى ، لحين بلوغ الفتاة السن القانونية يتم اعادة عقد القران من جديد امام المأذون وهنا تكمن المصائب فقد تجد فى معظم الاحيان ان الزوج تملص من الزيجة ويرفض تحويلها الى رسمية ليهرب من المسئولية الحقيقية ويا سلام وياحبذا لو كان بينهما اطفال فيتم التحايل على القانون فى إدراجهم فى شهادات الميلاد.
انها المأساة فى افظع صورها ،لقد اصبح زواج القاصرات او الاطفال فى منتهى الخطورة حيث تؤثر تلك الظاهرة على المجتمع، اقتصاديا واجتماعيا وإنسانيا، لقد تطرقت للكتابة فى هذا الموضوع بعد الحادث الذى اصدرت النيابة بيانًا بشأنه ، بعد تلقيها إخطارًا من وحدة مباحث قسم شرطة الهرم بوفاة طفلة وإصابة طفل آخر لقفزهما من نافذة مسكنهما إقدامًا منهما على الانتحار، وتبين لها انهما زوجان فى عمر الطفولة بينما اتهم والدا المتوفاة زوجها بقتلها أمام جهات التحقيق.
وقررت النيابة حبس الاب والزوج على ذمة التحقيق واتخاذ الإجراءات من قبل القائمين على مكتب المحاماة الذى عقد فيه زواجهما .كما اكدت النيابة العامة فى بيانها ايضا فى هذا الحادث ان القانون جرم مثل هذه الزيجات بنصوص قانون العقوبات والقوانين الخاصة، بما يندرج تحت جرائم تعريض الأطفال للخطر واستغلالهم وعقد زواجهم على خلاف الشروط المقررة قانونًا، وتؤكد على تصديها الحازم لمثل هذه الجرائم وملاحقتها مرتكبيها والمشاركين فيها بما نصه القانون وخولها من إجراءات، إيمانًا منها بأهمية الحفاظ على حقوق المرأة والأطفال وصيانة الحياة الزوجية.
كما اشارت النيابة إلى آثار زواج القاصرات الخطيرة والتى قد تودى بحياتهن وتجحف بحقوقهن المقررة شرعًا وقانونًا، إذ كان لعدم تحمل المجنى عليها وزوجها أعباء زواجهما المادية والمعنوية أثر بالغ فى إقدام الأولى على الانتحار وشروع الثانى فيه، مهيبة بالمجتمع المصرى الإحجام عن تزويج القاصرات على سند من فهم مغلوط لوقائع فى التراث حُرفت أحداثها والفقه المستمد منها، على نحو ما بينته مرارًا مؤسسات الدولة الدينية الرسمية.