عكس الاتجاه
تسير مجموعة من السيارات عكس الاتجاه فتجبر السيارة الوحيدة التي تسير بشكل صحيح على الرجوع والانتظار حتى تمضى تلك السيارات المخطئة، مشهد نراه يوميًا في شوارعنا الجانبية. البعض لا يعرف الاتجاه الصحيح للسير والبعض الآخر يعرف ويتجاهل ويخالف حتى تصبح عرفًا سائدًا ويضطر من يسير بشكل صحيح على التراجع والاستسلام.
لا نرى هذا المشهد العبثي اليومي في متابعة الطرق وحركة السيارات فحسب، وإنما في سلوكنا المجتمعي، فما يفرضه رأي الجماعة حتى وإن كان خطأ علينا اتّباعه، أصبحنا نحن من نخترق الشرع والقوانين حتى نصنع عرفًا جديدًا ثم نبادر بعقاب كل من يخالفنا الرأي لنتمكن من تثبيت هذا العرف دون النظر إلى المرجعيات الأساسية.
تجوّل قليلًا على مواقع التواصل الاجتماع، ستجد هجومًا حادًا على كل من يخالف الرأي السائد، فمنذ أيام قلائل دعت الكاتبة الصحفية ومقدمة البرامج دعاء عبد السلام الزوجات إلى تقبل فكرة تعدد الزوجات، والتحكم في غيرتهن، من أجل تقبل فطرة الرجال واحتياجهم للتعدد، مبررة دعوتها بارتفاع عدد المطلقات، والخرس الزوجي، وارتفاع معدل البنات عن الذكور.
بمجرد إعلان "دعاء عبد السلام" دعوتها حتى انهالت عليها الشتائم والسباب والهجوم على الرغم من أن حديثها لم يخل بقواعد الشريعة الإسلامية التي تبيح التعدد، ولكنها لمست الجرح المجتمعي الذي يرفض ذلك بحكم رأي القوة المهيمنة من السيدات اللاتي تمكنّ من السيطرة على أزواجهن، أو من بعض الذكور الذين يخشون من نسائهن، أو ربما يدّعون الاقتناع لإيهام الآخرين بقدراتهم في الإخلاص "كعوامل جذب للجنس الآخر"، ولا ننكر أيضًا القلة القليلة من الرجال المؤمنين حقًا بأن زوجة واحدة تكفي.
لم تخطأ تلك الإعلامية عندما خرجت علينا بدعوة "عكس الاتجاه" السائد، ولكنها موافقة للشرع والطبيعة التي تؤكد كل يوم أن تشريع التعدد يدرأ الوقوع في المحرمات وانتشار الفساد، حتى وإن اختلفت الآراء الفقهية في الشروط المحددة للتعدد، فليس هناك ما يحرّمه شرعًا أو يجرّمه قانونًا، سوى بعض العقليات التي تأبى أن ينشر أحدًا فكرًا مخالفًا لهم، ربما خوفًا من أن يصبح هذا هو العرف السائد وتتحطم أعرافهم الهشة.
لا يمكن أن نحرّم في المطلق ما أباحه الشرع بل ونزايد عليه وعلى من يدعو لتطبيقه ثم نزعم أننا "مجتمع متدين بطبعه"، فالله –عز وجل- أدرى بطبائعنا التي لا نعرفها، واحتياجاتنا التي لم ندركها بعد، فلكل حالة خصوصية قد تجعل من التعدد ضرورة، وربما أنك اليوم تهاجم فعل أحدهم دون أن تدري أنك ستضطر لأن تفعل مثله في الغد إذا وضعت في نفس ظروفه.
الخلاصة: إذا أراد المجتمع حقًا تطبيق الديمقراطية فليبدأ كل منا بنفسه ويتقبل الآراء الأخرى فيما لا يخل بالمرجعيات الدينية والإنسانية والقانونية، فصدق الله العظيم حين قال في سورة الرعد: "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ".