بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

التنقيب عن الحقيقة فريضة

الحُسن هبة ربانية، أتشممه وأتفحصه من بعيد. أسعى إليه وأُمسك به وأحتفى بأصحابه عرفتهم أم لم أعرفهم.

فى الصحافة التى قالوا إنها غربت شمسها كذّبت ما قالوا مراراً، ودليلى، بل أدلتى كانت وهجات حسن تطل بين حين وحين بالصحافة المصرية بأقلام تؤمن بأهمية التحرى وضرورة الكشف ومتعة التصحيح.

دعك من البيانات الرسمية، تجاهل الكلام المكرر فى المناسبات السنوية، وغُض طرفاً عن مقالات أسطرة الشخوص، أو حتى على الناحية الأخرى كتابات شيطنتهم. اهبط بعيداً عن المشاهير، الصاخبين، وأصحاب الحناجر الزاعقة. اتجه إلى الكشف، الطرح الأجدد، الكلام المُسطر بعمق ووعى وسعى للوصول لما لم يصل إليه آخرون، واستمتع بنوادر جميلة تُثبت أن الصحافة لم تمت، ولن تمت وأن البحث لن يتوقف، والاستكشاف لن يُجمد.

من ذلك مثلاً ما طرحه فى «اليوم السابع» الزميل وائل السمرى قبل أيام فى تحقيق استقصائى كشف للمرة الأولى أن أستاذا سويديا من أصل مصرى يدعى عطية عامر هو مَن رشح نجيب محفوظ للحصول على جائزة نوبل للآداب، وأن ذلك الترشيح بدأ منذ سنة 1981 بعلم الحكومة المصرية. وجد «السمرى» وثائق قديمة فى وزارة الثقافة إبان وجود منصور حسن على رأسها وفيها اقتراح عامر بترشيح الأديب المصرى لنوبل وكيفية إتمامه.

والمذهل فى حكاية الوثيقة التى ظلت منسية فى دهاليز وزارة الثقافة أربعة عقود أن نجيب محفوظ نفسه لم يعرف مّن هو الذى رشحه للجائزة، وأن أدباء خصوم لهم أغراض وأمراض حاولوا الصيد فى الماء العكر بالقول بأن إسرائيل هى التى رشحته للجائزة. والمؤسف أيضا أن عطية عامر ذكر فى حوارات قبل وفاته أنه من رشح «محفوظ»، لكن أحدا لم يصدقه، ورحل منسيا مغمط الحق مثل أصحاب أفضال كثر حولنا.

ما فعله وائل السمرى ذكرنا بقدرة الصحافة على الاستقصاء، والكشف والتحرى والإنصاف ولو بعد حين، وهو سبق يستحق كل تقدير وتحية.

وأتذكر قبل شهور قليلة أن توصل صحافى شاب هو محمد الشماع بموقع «آراب لايت» فى عمل استقصائى لطيف إلى أن الراقصة اليونانية كيتى، التى عرفناها باسم عفريتة اسماعيل ياسين ما زالت على قيد الحياة. وجاء ذلك رغم أن موقع ويكيبيديا وموسوعة الممثلين المصريين تقول إنها رحلت بالسرطان سنة 1981. وكان «الشماع» قد التقط بقرون استشعار ذكية معلومة بأن أحد منتديات الفن فى اليونان كرمت مبدعيها العظام، وتوصل إلى أن إحدى المكرمات كيتى، التى غادرت مصر بعد مرضها مطلع الثمانينات واستمرت فى التمثيل وأن الصحافة المصرية نشرت وفاتها على غير الحقيقة، ولم ترد هى فأصبحت وفاتها حقيقة راسخة لأربعين عاماً.

استقصاء آخر لفت نظرى قبل شهور فى موقع «مصراوى» كان عبارة عن رحلة استكشافية قامت بها، مها صلاح الدين إلى مالطا وظلت على مدى شهور طويلة تبحث عن منفى الزعيم سعد زغلول هناك، اعتمادا على أوصافه التى أوردها بمذكراته، ورصدت كيف تغيرت المعالم والأماكن فى مائة عام.

تلك أعمال باقية، وإن سئم الناس منظر الصحف، ونفروا من قال ويقول وقرر وتقرر. يبقى الكشف عملاً جليلاً طيباً حسناً.أن تكشف خيطاً خافياً، أن تفتح باب غرفة مُظلمة، أن تنفى زوراً حوله الزمن إلى حقيقة، أو تُنصف مظلوماً ولو بعد حين، وأن تُخالف حكاية يُرددها الناس بآلية واستسهال وتُثبت عكسها.

الصحافة هى إنارة الدهاليز المُعتمة، لا يهم ورقية أو إلكترونية أو تلفزيونية.. المهم أن يعمل المنقبون بجد، ويستخرجوا لنا كنوز الحقيقة، فهذه هى الفريضة الغائبة فى مجتمعنا، وبوسع الصحافة أداؤها.

والله أعلم.

‏[email protected]