بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

ضوء فى آخر النفق

الوداع المؤجل!

 

 

- أحسب أن الوسط الثقافى كله حزين.. موجوع.. مفطور الفؤاد. أحسب أن ذكرى هنا ودمعة هناك.. وبيتًا من الشعر قيل هنا وآخر قيل هناك.. بينما كان نبأ الوفاة يمزق نياط القلوب، التى أدماها خبر إصابته بمرض العصر اللعين.

-أساتذته قبل تلاميذه الذين اغترفوا من معين أشعاره بكوه وترحموا عليه، فقد كان نبيلًا ومختلفًا ورائدًا فى قصيدته، ما استدعى يومًا أن يعقد نقاد وباحثون ندوةٍ للكتابة التأصيلية عنه، قادها شيخهم «محمد عبدالمطلب»، وتفانى فيها باحثون وشعراء.

فكان أن جاء كتاب «النهار الآتى» وثيقة ترسم صورةً من لحم ودم لرفعت سلام الشاعر والمترجم والإنسان؛ الذى منح الشعر والنقد حياةً لم يتمتع خلالها ببريق يستحقه ووهج كان يملأ الدنيا، وضوء يشع نورًا، من روسيا إلى مصر، ومن «منية شبين»- قريته التى نشأ فيها- إلى «القاهرة».. حمل نهر شعر يسقى منه العطشى وممتلكًا صولجان التعبير، كما الخيال حين يمتلك فرسًا روضه، وبات يأتمر بأمره.

- قبل بضع شهور نشرت نداءات عديدة إلى المسئولين الكبار فى الدولة وفى القلب منهم وزارة الثقافة، وأمكن بعدها أن يجد رفعت سلام الذى لم يكن يمتلك ما يكفى ثمنًا للدواء والعلاج لهزيمة السرطان اللعين، حتى أتانا نهار آخر جديد، مع أنباء أثلجت صدورنا، حيث تقرر علاج الشاعر الكبير على نفقة الدولة. شهرًا فى إثر شهر ونحن نلهث وراء أخباره، طمعًا فى كرم الله، وأملاً كبيرًا يحدونا بأن نسمع أنباء جيدة عن نجاحه فى مقاومة المرض وإعادة جريان نهر الموهبة.

كان ذلك همًا عامًا لجموع المثقفين، وكنت منهم أحاول أن اتتبع أخباره وأطمئن عليه، ففى واقع الأمر توحدت مع مرضه بسبب مرورى بظرف شخصى مؤلم جدًا، فشقيقتى الصغرى «مها» أصابها الداء اللعين هى الأخرى، وبتنا نقيم فى معاهد الأورام من أجل فرصة علاج وتعافٍ ومن أجل طاقة نور تمنح امرأة عابدة مصلية صغيرة فى العمر فرصة النجاة هى الأخرى وكأن العام والخاص عندى ارتبطا بتقدم رفعت فى التعافى وهزيمة الموت، وإمكان إفلات شقيقتى ونجاتها هى الأخرى.

نعم مازلنا نقاوم معها رغم كل الآلام واستبشرنا خيرًا عندما أعلن أن رفعت سلام اجتياز المرحلة الأولى من رحلة الكفاح وانه يستعد لدخول المرحلة الثانية. هكذا كانت البشارة الجميلة، وارتسمت الضحكة حتما على شفتى غاليتيه يارا ودينا، وأسرته وأصدقائه ومحبيه وتلامذته. رنة فرح سرت فى مختلف الأوساط، لكن ديسمبر اللعين الذى خطف الموت منا فيه أحمد فؤاد نجم، أبى إلا أن يخطف منا أيضاً رفعت سلام فجأة، حتى يتوقف النهر عن المزيد من الجريان، ويهرع بنا إلى أودية الحزن. النهار الآتى الذى حسبناه قد جاء مع نجاح مرحلة العلاج الأولى راح وغاب، كما القمر حينما يجافى الليل ويتركه فى ظلمة حالكة.

- هكذا غادرنا بلا تكريم أو نظرة أخيرة أو مثوى يليق أو رثاء بليغ أو وشاح مرموق أو جنازة لائقة.. أو مقبرة معلومة! ما زال الوداع مؤجلًا يا رفيق، حتى يجرى تصحيح الأمور وينتصب شاهدك شاهدًا على إبداعك، محفورًا عليه؛ كان هنا يومًا نهار يعتزم المجيء لكنه غاب. وداعًا الشاعر الجميل والإنسان النبيل رفعت سلام.