مسلمو الغرب..مهدِدون أم مهدَدون
استكمالا لردة فعله التي تأتي في اتجاه واحد، ظانا منه أنه بذلك يصحح أوضاعا ويضمن أمانا مأمولا لبلده، تابعنا ما أصدره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من عدة إجراءات حاسمة للتصدي لما سماه «الانعزالية الإسلامية» في فرنسا ، كان منها ما أطلق عليه" ميثاق قيم الجمهورية"، حيث ينص على أن الإسلام دين وليس حركة سياسية، ويحظر «التدخل الأجنبي» في شئون الجماعات الإسلامية.
كما كان من بين تلك الإجراءات فرض قيود على التعليم في المنزل، بالإضافة إلى فحص 76 مسجدا، أكد وزير الداخلية الفرنسي أنه نتيجة لذلك قد يتم غلق بعض المساجد.
وفي الواقع لا أحد يمكنه الاعتراض على مباديء الميثاق، فهي المباديء ذاتها التي ننادي بها في دولنا الإسلامية نفسها، من ضرورة فصل الدين عن السياسة، وعدم قيام حركات او جماعات سياسية على أساس ديني، إلا أن ما يمكن ملاحظته من مجمل تلك القرارات أن هناك اتجاها مقصودا لمحاربة كل ما هو إسلامي ، انطلاقا وتحججا بمحاربة التطرف، وهو ما يبدو جليا من تصريح الحكومة الفرنسية أنها تحارب "العدو الداخلي"، في خلط واضح بين الإسلام كدين والتطرف الإرهابي كجريمة.
وهو الأمر ذاته الذي يؤكده تحرك ماكرون في اتجاه واحد منذ بدء الأزمة والتصرف بشكل هجومي وغير موضوعي ،سبق وأشرنا إليه في مقال سابق، دون الأخذ في الاعتبار أنه يواجه ٧ ملايين مسلم يشكلون جزءا مهما من المجتمع الفرنسي.
فاتخاذ إجراء كغلق بعض المساجد التي قد تصل الى ٧٦ مسجدا، والتي لا يرتادها سوى ٣٣ بالمائة من مسلمي فرنسا، وهي النسبة الممثلة للمسلمين الملتزمين أو المتدينين، في الوقت ذاته الذي كان يمكنه فيه وضع تلك المساجد تحت الرقابة أو اختيار أئمة لا يشك بانتمائهم لأي حركات متطرفة، ومحاربة الجمعيات المتطرفة التي لا شك أن الأمن بفرنسا يعرف عنها كل صغيرة وكبيرة، كلها إجراءات موضوعية كان يمكنه اتخاذها بدلا من تلك التي تخلف مرارة وتظهره كمحارب أول وعدو أصيل للإسلام ، ومنتصر أكبر لليمين المتطرف .
والوضع هنا يشكل تهديدا ليس لمستقبل المسلمين بفرنسا فحسب، بل في قارة أوروبا والغرب كله، والذين تجاوز عددهم بأوربا وحدها باستثناء تركيا وروسيا ٢٦ مليون نسمة، وربما يجعلنا نواجه نفس سيناريو تداعيات هجمات ١١ سبتمبر، التي ظللنا نعانيها لسنوات طوال، فرغم أن "الجهاديين" لا يشكلون إلا نسبة ضئيلة من المسلمين في الغرب، لكن هذه الهجمات أدخلت في روع الكثير من الغربيين أن الاسلام خطر يهدد حياتهم، واستغلت قوى اليمين المتطرف هذا الخوف لتأجيج العداء ضد المسلمين ودينهم.
مواجهة التطرف بالغرب إنما تحتاج لتدبر أكبر ، يضع في الاعتبار أن مسلمي الغرب ليسوا مجرد عدد، بل إن دورهم في السياسة الغربية قد تعاظم، وصل الى تقلد بعضهم مناصب هامة، فقد تم انتخاب أول مسلمتين لعضوية الكونجرس الأمريكي في الانتخابات النصفية من عام ٢٠١٨، هما رشيدة طليب وإلهان عمر. وانتخبت لندن، أكبر مدن أوروبا، عمدة مسلمًا هو صادق خان، في حين أن عمدة روتردام، أكبر موانئ أوروبا، مغربي هو أحمد أبو طالب. كما أن للمسلمين الغربيين أدوارا متميزة في مجالات الترفية والرياضة والأزياء، بل إن تدفق اللاجئين من العالم الإسلامي قد أسفر عن تغيير الديموغرافية الأوربية، ففي الفترة الواقعة بين عام 2014 و2016 وحدها، وصل إلى أوروبا زهاء مليون مهاجر أغلبيتهم من العرب.
باختصار، المسلمون جزء من مجتمعات الغرب، ولابد من التعامل بحرص في تطبيق إجراءات محاربة التطرف دون تعميمها على أقلية هي في الأصل ليست كذلك.