بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

كلمات بلا ضمير الأخيرة

يشاغبنى دومًا زميلى الصديق الخلوق د. مصطفى عبدالرازق بنقاشات ساخنة حول مقالاتى، ليس بوصفه المشرف على قسم مقالات الرأى، ولا بصفته رفيق مكتب، ولكن بصفته قارئًا جيدًا لكثير مما يكتب عامة، وفى مجال الرأى خاصة، يعارضنى أحياناً، ويؤيدنى غالبًا، ولعل أجمل ما يصف به ما أكتبه «إنت بتكتبى بحبر القلب»، يا زميل العمر الصحفى الطويل أشكرك، ما تقوله يؤكد ما أهدف إليه للأسبوع الثالث على التوالى فى مقالاتى أن أى كلمات ننطقها.. نكتبها.. نحكم بها على الأشياء يجب أن تكون نابعة من القلب.. كلمات لها ضمير حى لأننا سنسأل عنها أولًا أمام الناس فى الدنيا، وأمام الله فى الآخرة، فكلمة قد تحيى إنسانًا، وأخرى تقتله.

أليست كلمة الفصل لقاض ما فى محكمة بإعدام متهم، تنهى حياته، وقد يكون هذا المتهم بريئًا، ولكن سلسلة ما من الأوراق المزججة بالكلمات والأدلة الملفقة حشدت للقضاء عليه، واستغل معها محامى الخصم الثغرات ليصل ببريء لحبل المشنقة لصالح إفلات مجرم حقيقى من العقاب، وقد يكون ضمير القاضى غير مرتاح تمامًا لحكمه، ويتمنى فى نفسه ولو ظهر من الأوراق والأدلة ما ينجى به هذا المتهم الماثل أمامه، ولكنه مضطر للحكم بموجب ما عرض عليه من أوراق وأدلة، وقس على هذا، ألا يعنى ذلك أن الكلمات التى ملأ بها رجل شرطة ما، ومحام ما الأوراق كلمات بلا ضمير، لأن من وضعها مات ضميره، ونسى الله، نسى الرقيب الأعلى، فضيع حياة هذا، وظلم هذا بالسجن فشتت من بعده أولاده ودمر عائلته وترك لهم عارًا يتوارثونه وهم منه أبرياء، وبرأ فى المقابل مجرمًا خطيرًا مقابل المال، أليست الكلمة هنا بمثابة سيف قاتل.. أو بمثابة حياة وإعتاق رقبة، للأسف يتم بعض التعامل فى هذا الإطار بمنطلق الضمير الخائف وليس الضمير الواعى، أى طالما لم يعرف أحد بما تم من تزوير وتلفيق.. كدة تمامًا، ويحدث هذا أيضاً فى تقارير ملفقة فى بعض المؤسسات...!

وفى عالم الإعلام والصحافة، هل يراعى كل من بالمهنة الضمير الحى الواعى فيما يقول ويكتب؟ هل يعلم أنه بجملة منه قد يغيب وعيًا ويضلل مجتمعًا، حين نمدح مسئولًا لغرض شخصى، أو لخوف من مساءلة سلطة، ويكون هذا المسئول أصلًا بلا ضمير، يهدم ولا يبنى، يستغل نفوذه، ألا نكون بهذا شركاء معه بكلماتنا، ألا نضر مجتمعنا؟، سيرد متحذلق.. هناك حدود فيما يمكن أن يقال.. حتى لو كان هذا صحيحًا.. وإن كنت أشكك فيه، إذ أرى بعض الإعلاميين «كاثوليك» أكثر من بابا روما وفقًا للمثل المتداول، وأرد عليهم إذا أصمتوا.. إذا خفتم اصمتوا ولكن لا تزايدوا وتبيعوا ضمائركم.. لأنكم فى يوم.. لن تجدوا ما تدفعون منه فاتورة ذنوب كلماتكم.. وقد يعذبكم الله فى الدنيا ببلاءات لا قدرة لكم على ردها، بقوله سبحانه «حَتَّى إذا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّى أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ».

الكلمات بها نحيى.. وبها نقتل أجسادًا.. وعيا.. انفس وسعادة لبشر، كلمة نقولها تمنح أملًا، وأخرى تبدده، كلمة نفاق تدعم فاسدًا، وأخرى تكشفه، فننقذ المجتمع، كلمة تفتح بيتًا وأخرى تخربه، كلمة تهتك عرضًا وتفضح سترًا، وأخرى تستر وتقوم خلقاً، كلمة تشجع على العمل، وأخرى تحبط، للكلمة فعل السحر سلبًا أو إيجابًا، وإلا لما قال عنها سبحانه وتعالى فى محكم آياته {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، ولما قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم–: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه» صدق الله وصدق رسوله.

أيها الناس فى كل مكان راقبوا كلماتكم ولا تجعلوها بلا ضمير.. اللهم بلغت.. اللهم فاشهد.

 

[email protected]