خارج السطر
عمائم ضد الدنيا والدين
الدين ليس سلمًا للشهرة، ليس طريقًا للثراء، ولا للفت الأنظار وإثارة القيل والقال. الدين أعظم من هذه الترهات.. جسر محبة، فهم للكون، وحرص على الأخلاق الطيبة.
لذا فأنا حزين من انجرار بعض علماء الدين نحو افتراضات غريبة لا تنفع الناس، بل تُشتتهم، وتشغلهم بلا طائل فيتجادلون ويعلو ضجيجهم على صوت العمل والبناء والأفكار النافعة.
صحيح هناك آراء عديدة وأفكار شاذة وغريبة فى دوائر الفقه، لكن سكبها للعامة تشتيت لهم وإلهاء للمجتمعات عما ينبغى أن تهتم به، ما يفيد الناس تأكيد أحدهم أن الرجال فى الآخرة بلا أعضاء تناسلية ؟ ما يعنى قول آخر إن للرجال حيض؟ وما معنى أن ينشر آخرون أنه لا يوجد ما يمنع زواج المرأة المسلمة بصاحب ديانة أخرى؟ ما الغرض وهناك قانون واضح فى كل بلد يحدد إن كان ذلك جائزًا أم لا؟
ثُم لم نستهلك أوقاتنا وطاقاتنا فى أحاديث افتراضية بعيدة عن الواقع؟ هل وصل التدهور الذى أصاب كل شىء فى بلادنا طائفة علماء الدين؟ هل صاروا بالفعل يلهثون خلف التريند؟ هل يريد بعضهم أن يُصبحوا حديث الناس صباح مساء؟ هل هُم أدوا حق الله فى تطبيع علاقات البشر بالدين وترسيخ مبادئ الأخلاق الكريمة؟ هل واجهوا الإرهاب حق مواجهته ودحضوا وفندوا خطاب العنف والكراهية؟ هل وقفوا فى وجه البداوة والجهل والتعصب؟ ما يفيد الناس أن نناقش إن كان الدين يسمح بإرضاع الكبير حتى يجلس الرجل فى مكتب واحد مع زميلته؟ ما يدفعنا أن ننشغل بحكايات سخيفة عن سحر النبى ومحاولة انتحاره والتبرك ببوله وغيرها من الأمور الخارجة عن أصول التوحيد والقيم العظيمة للدين؟
أى عقول مغسولة بالماء العكر تُفكر وتُدبر؟ وأى أرواح ضلت دروب الحياة لتصل إلى تلك المستنقعات الفكرية.
أنا غاضب على الدين، ليس منه، لأننى أراه يُساء استخدامه فى الحياة. يُمد جسرا لعبور جماعات من الانتهازيين إلى السلطة، ويُلبس كقميص لصناعة مكانة ما لأناس بلا قيمة علمية أو إبداعية، ويستخدم لإثراء متسلفنين وأدعياء صلاح وتقوى، كما يستخدم كوسيلة إلهاء الناس عن قضايا العدل والحرية والرشاد.
أحلم بعقل راشد، مستنير، يُفكر بعمق فيما ينفع الناس، ويمضى على طريق الخير يمد يده للناس ليرشدها لخير ويُبعدها عن شر. أتمنى أن نرتد لأكثر من مئة وعشرين عامًا إلى الوراء ليطل علينا رجل مثل محمد عبده، الكيس الفطن، الذى أدرك أن الدين حبل ممدود لسحب الناس من الظلام إلى النور، من الظلم إلى العدل، من الكراهية إلى التآلف والتعايش بين الناس. رحمه الله رحمات واسعة بقدر ما قدم وقدر ودرس وفكر وكتب وأنجز، وتعلّم وعلم، كتب قبل موته سنة مقدما فلسفة مشروعه فى الفكر الدينى « ولكنه دينٌ أردت صلاحه/ أحاذر أن تقضى عليه العمائمُ.» وكأنه كان يدرك أن الخطر، كل الخطر على الدين، يكمن فى رجال الدين أنفسهم.
والله أعلم.