أوراق مسافرة
كلمات بلا ضمير.. «1»
«إنت مش هتتحاسبى بدالى ولا هتنفعينى إنت والولاد قدام ربنا، وبعدين قليل ولا كتير.. كباب ولا فول.. طعم الأكل هيبقى لذيذ لو فلوسه حلال وضميرنا مرتاح، ومش هناكل أكتر من معدتنا»، كلمات لا أنساها أبدًا، كان يرددها الأستاذ عبدالعزيز لزوجته، بوجهه الأسمر الذى صقلته الأيام والتجارب، فشاب الشعر، وضعف البصر رغم النظارة الطبية السميكة، عندما كانوا يجيئون لزيارتنا كجزء من العائلة، كانت زوجته الطيبة ذات التعليم البسيط تشكوه إلينا، لأنه «مش مدردح» وفقًا لها مثل باقى المحامين، ولا يلعب «بالبيضة والحجر» مثل بعضهم، فقد كان الأستاذ المخضرم الذى وصل إلى أعلى درجات المحاماة، لا يقبل أوراق أى قضية إلا اذا كان ضميره «مرتاح» لها، بأن المتهم برىء، أو انه ارتكب جريمته بدون قصد، أو بدافع قهرى، يرفض قضايا المخدرات تمامًا، فهو يرى أن صاحبها يجب أن يعدم لأنه يقتل أبناءنا بالسموم ويدمر العائلات والمجتمع، ولا يقبل قضايا سرقات المال العام، وغيرها الكثير على هذه الشاكلة.
دخله المتوسط كان مثار غضب وتساؤلات من زوجته، التى ترى أقرانه ومن هم أصغر منه لديهم الشقق الفاخرة والفيلات والسيارات الفارهة، وأبناءهم بمدارس خاصة راقية، فى حين لم يغادر بها شقته المتواضعة فى شبرا، ولم يغير سيارته الفيات ذات اللون الكالح، وكان ولده وابنته بمدارس عامة، ويترجلان مسافة طويلة للوصول إليها، فكان يفهم أم أولاده انه لا يقبل أى قضية إلا إذا كان ضميره مرتاحًا لها، وأنه يرفض التلاعب بالقانون، أو حتى النفاذ من ثغرات القانون والإجراءات أو التلاعب بالكلمات لتبرئة مجرم يستحق العقاب، فكل مجرم يجب أن يعاقب، مع استعمال روح القانون إذا كانت أول جريمة، أو الدوافع قهرية، أما أن يقبل قضية لتبرئة مجرم تمامًا.. فلا وألف لا، حتى وإن أتيحت له كل أدوات التلاعب، أو أتعاب مئات الآلاف، فكان يداعب زوجته «حظك بقى إتجوزتى محامى وش فقر، بس ممكن تغيرينى»، فينتهى النقاش بقفشات الدعابة منه بروحه المرحة الجميلة، وبغيظ كبير منها..
كنت حينها فى منتصف حياتى الصحفية، وكننت له احترامًا عظيمًا لمبادئه التى لم يغيرها أبدًا حتى آخر نفس بحياته، وكان فطاحل المحامين بل وأيضًا القضاة من أصدقائه فى هذا الوقت، يقصدون مكتبه البسيط فى شبرا، لاستشارته فى قضايا ونقاط قانونية، وكان يقول لى «لو باع المحامى والقاضى ضميره.. لتحولت الدنيا إلى غابة يأكل فيها القوى الضعيف، ولضاعت بلدنا للأبد بلا رجعة»، وكان له تعبير مثير، انه حين يكتب بخط يده مذكرة الدفاع، يرى كلماته تتحرك على اسطر الورقة، وكأنها ضمير يقف أمامه يحاسبه ويحاكمه على كل حرف ونقطه، ويردد آيات من سورة القلم «وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ، وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ» صدق الله العظيم... المثير فى الأمر أن القضايا التى كان يترافع بها كان لا يتم تأجيلها كثيرًا كباقى القضايا لدى نظرائه، فقد اشتهر بالمحاكم بأنه المحامى صاحب الضمير الحى، الذى لا يقبل أبدًا تبرئة مجرم مستغلا الثغرات، ويبدو أن هذا اكسبه ثقة القضاة، فكانوا يحكمون فى القضايا التى يترافع عنها وهم مرتاحو الضمير، بأنه لا خطأ فى الحكم ولا ثغرة استغلت للنفاد من العقاب، ولا تلاعب بإجراءات أو مستندات وأوراق، رغم هذا كان مكتبه مكتظًا، ولكن بأصحاب القضايا من الفقراء المغلوبين على أمرهم أصحاب الحقوق الضائعة.
ذات صباح وفى صمت مهيب، وعلى فراشه وبصورة أيضًا كريمة ومحترمة كحياته، مات الأستاذ عبدالعزيز المحامى، جاءت زوجته الطيبة لتوقظه لموعد المحكمة.. فلم يرد على ندائها وللحديث بقية..