بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

عن الجائزة التى فازت بالشاعر

 

 

ليس أروع من قصيدة جميلة،ساحرة، ساكنة فى النفس، ومُقيمة فى الروح. كلمات مغزولة غزلا، تمنحك معنىً ساحرا، تفتح لك أبوابا مُغلقة، وتسحبك سحبا من كفك اليسرى صعودا على سلالم الرضا والخلود. تبعثك بعثا إلى مصاف الروعة، وتزرعك شجرة رضا فى سلام العالم.

المجد للشعر، رغم أى شيء وكل شيء. يفوح عطرا، ينبض نبضا. تتوهج كلمات إمرؤ القيس مُنذ ألف عام لا تموت ولا تفنى، وكأنها سلطان لا يمحوه زمن. تتكرر كلمة «الله» استحسانا كلما سمعنا بيت شعر رقيق لأبى نواس أو حكما خلابة لأبى الطيب المتنبي. نُحلق فى سماوات التدبر والسحر ونحن نقطف ثمار الرائع محمود درويش، نلهث لهثًا لنقرأ نصًا لم نعرفه لكفافيس أو لوركا أو آرثر رامبو. ونُعيد اكتشاف العالم مع نصوص الشاعر عماد أبو صالح الساحرة التى تؤكد لنا أن الإبداع هو الخلود الحقيقي، وأن الإنسان مهما سعى، فإن سعيه الأبقى هو ما تبقى منه من كلمات.

يستحق عماد أبو صالح رغم كل شيء لقب شاعر العربية الآنى. ملك الكلمة الحقيقي، غازلها الأتقن، ومغازلها الأذكى. يقلب النصوص ويعيد رؤية العالم بعينين مختلفتين قادرتين على كسر المقولة الشهيرة لعنتر بن شداد عندما سأل فى إحدى قصائده» هل غادر الشعراءُ من متردم؟» ما يعنى أنه لا يوجد معنى أو صورة أو نص لم يتركه الشعراء دون أن يطرقوا بابه. تحدى عماد أبو صالح تساؤل عنتر وغلبه، وكتب فى مديح الخطأ، وذم الأشجار، وفضح الثورة، وكراهية الأم. وكأنه يبصر مالا نبصر، ويرسم ما نسبتعده، ويدافع عن مكنون الجمال فى كل شيء حوله.

يفوز عماد أبو صالح بجائزة سركون بولص. فى الحقيقة فإن الجائزة هى التى تفوز به، وليس هو. تفيه حقه، بل بعض حقه كشاعر مبدع، نادر، شديد الروعة. ترُد له جميله على الكلمة والمعنى، تُبدد الجائزة نمل الإحباط الدائر حولنا بأن كل شيء موجه ومُسير ومباعد للجمال والإنصاف.

لا ينكر موهبة الشاعر مُنصف، لا يستبعد سحره متذوق للفن، يدفعنى الضمير الساكن داخلى أن اختاره أميرا لشعراء النثر، بلا منازع.

يقول عماد فى آخر دواوينه المنشورة « كان نائمًا حين قامت الثورة/ لم يُغادر سريره/ رغم صوت الهتافات الهادرة/ من شباك غرفته/ نام وبعمق/ كان وحيدًا فى البيت/ فى الحى كله/ لا ضجيج بائعين/ لا صراخ أطفال/ ولا نباح كلاب/ وحيد وحُر/ بينما الثوار هناك/ يُشيعون جنازة الحرية.»

 فى نوفمبر 1999 كتب الناقد صبحى حديدى دراسة عن الشاعر طالبه فيها بالخروج إلى القارئ العريض العربي، باعتباره اختبار للشاعر الشاب الفاتن والمتدفق والطافح بكل ما يميزه عن سواه. وقال إنه باختصار: «ينبغى أن يكون عماد أبو صالح فى قلب معركة ما، أو ربما فى قلب المعركة بالتعريف: معركة الشعر الذى يصارع ويتصارع ويصطرع». لكن المعركة الحقيقية فى ضمير الشاعر هى الكلمة. والكلمة وحدها، والتى تبقى نعمة النعم علينا، وغاية الغايات أمامنا.

 فليلهث من يلهث وراء كل شيء: المنصب، النفوذ، النساء، والمال، ولتبقى الكلمة جسرا للخلود وشعلة للمجد.

والله أعلم.

 

mailto:[email protected]