على فكرة
أسئلة المستقبل العربى
احتفلت مجلة «المستقبل العربى» الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية فى بيروت، بصدور العدد 500منها فى شهر اكتوبر الحالى، وهو احتفال يستحق التهنئة على قدرة المجلة وهيئة تحريرها، على الصمود والاستمرار فى التواجد شهريا منذ صدور عددها الأول فى سبتمبر عم 1978، رغم العواصف التى ألمت بدول المنطقة ،وأصابت من بين ما اصابت دوريات مشابهة، وأجبرتها على التعثر والتوقف عن الصدور.
تاريخ صدور المجلة لا يخلو من مغزى، إذ هو شكل واحد من أشكال المواجهة الفكرية والسياسية والثقافية التى قادها نظام البعث العراقى ضد زيارة الرئيس السادات للقدس ،وتوقيع اتفاقات كامب دافيد، وساقت إلى المقاطعة العربية لمصر التى استمرت أكثر من عشر سنوات، لم يخسر فيها نظام السادات كثيرا، بل تكبدت نتائجها الكارثية الشعوب العربية، التى بات عليها فى أبسط الأمور، تكبد أعباء اللجوء للمطارات الأوروبية، للتواصل بين حدود أقطار الأمة!
حمل العدد عنوان المقال: أسئلة المستقبل العربى، التى أضحى علينا أن نبحث عن اجابات لها، فى واقع عربى مأزوم بحروبه الأهلية ونزاعاته القبلية والعرقية التى يغذيها وتمدها بشريان الحياة، التدخلات الاستعمارية الخارجية، فضلا عن اتساع نطاق الفقر وما نجم عنه من تفشٍّ للأمراض وتسرب من التعليم والهجرات غير الشرعية، مع تعثر البرامج الوطنية للتنمية المستدامة المعتمدة على الذات، وتخلف النظام السياسى العربى، وعجزه عن إحداث موازنة بين الاستقرار وتلبية طموحات شعوبه فى العيش الكريم الذى يضمنه قدر معقول من العدالة الاجتماعية والحق فى التعبير الحر عن الرأى، وهو ما لا يشى بالتفاؤل فى المستقبل المنظور.
وقد تمنح هذا التشاؤم بعض الدعم، الأرقام التى أوردها فى العدد مقال الكاتب العمانى «سعيد سلطان الهاشمى» واستخرجها من وثائق دولية تقول إنه من بين 80 مليون لاجئ فى أنحاء العالم يوجد 15 مليون لاجئ عربى بنسبة تصل نحو 19%، وبجانب تلك المآسى المروعة، يوجد بين 400 مليون عربى 74 مليون أمى بنسبة تصل إلى 21%من السكان العرب و 10% من سكان العالم. وكم هى مخيفة تلك الأرقام فى منطقة تعج بالثروات الطبيعية والكفاءات البشرية والموقع الجغرافى الفريد، التى ُيفترض أن تجعل منها قرينا للتقدم والازدهار، وليس عنوانا للتخلف والتراجع والعنف الذى يزعم التحدث باسم الله، بما أفاض الكأس ببعض اللبنانيين فسارعوا للمطالبة بعودة الانتداب الفرنسى لبلادهم، لحمايتهم من نظام وطنى أفقرهم وبدد ثرواتهم فى مغامرات سياسية وطائفية تضع مصير الدولة الوطنية فى مهب ريح عاتية.
استوقفنى فى العدد مقالان للدكتور» وحيد عبدالمجيد، والسياسى والكاتب البحرينى الدكتور «محمد على فخرو» انطوى كل منهما على شرح دقيق لأزمات المنطقة خلال أكثر من أربعين عاما، وأسباب تشرذمها وانقسامها، دون توقف ضرورى، أمام الصراع الدامى على التسلط والنفوذ ووراثة الدور المصرى بعد رحيل عبدالناصر، بين جناحى حزب البعث الحاكمين فى بغداد ودمشق، ومسئوليته عن اصطناع تلك الأزمات ، وتعميق شقة الخلافات بين فصائل المقاومة الفلسطينية، بدعم إحداها لتصفية الأخرى ، وليس انتهاء بالفخ الذى تم نصبه للقضية الفلسطينية، باصطفاف منظمة التحرير إلى جانب العراق أثناء غزوه للكويت، الذى كرس عوامل التجزئة، وأسقط إلى أن يشاء الله ،من الخطاب العربى الرسمى والشعبى الدعوة الطموحة للوحدة العربية، أو حتى للتعاون المشترك فى مواجهة الأخطار الخارجية.
ويبقى خارج سياق اسئلة المستقبل، حديث الكاتبين عن الحد من الانقسام بين حركات الإسلام السياسى والقوى المدنية، لمد الأولى بعوامل البقاء رغم الخراب الذى جلبته تلك الحركات المتناسلة من رحم جماعة الإخوان لدول المنطقة، وبعد تجربتها المريرة فى الحكم فى مصر وتونس وليبيا، ورغم أنها جماعات لا تؤمن بالدولة الوطنية، و لا هم لها سوى إعادة دول المنطقة إلى ماض بغيض فاشل، علينا جميعا ونحن نرنو إلى المستقبل، أن نجحده.