خارج السطر
إسرائيل ونكتة الانتصار فى أكتوبر
تقول النكتة إن القائد الهمام تملكه زهو القوة فمضى ينظر شذرا إلى من حوله ويُهدد بأن المعركة القادمة ستكون وبالا على أعدائه، وبعد اشتعال الحرب وهزيمته، لمحوه يشير لمساعده رافعا إصبعى السبابة والوسطى، وظن مساعده أن مفاجأة ما حدثت وأن القائد يرفع علامة النصر، فسأله مستفسرا: هل انتصرنا؟ فأجاب القائد : لم يبق إلا أنا وأنت.
والنكتة تتسق مع استراتيجية إسرائيل لغطرسة القائد نفسه الذى عرف فى النهاية أنه انهزم لكن بعد فوات الأوان. غير أن إنكار إسرائيل لهزيمتها طال سنوات وسنوات، حتى أنها حجبت وثائق حرب أكتوبر لأكثر من أربعين عاما تحت حملة دعائية ادعت فيها أنها لم تنهزم، بل انتصرت سعيا للحفاظ على معنويات جيشها.
يحكى الدكتور إبراهيم البحراوى أستاذ اللغة العبرية فى كتابه الشيق « حكاية مصرى مع إسرائيل» أن أحد خريجى اللغة العبرية العاملين فى مجال السياحة أخبره أنه استمع لتعليقات وفد سياحى إسرائيلى من طلاب المدارس الثانوية جاء لزيارة بانوراما أكتوبر بالقاهرة، وأكدوا فيها صدمتهم عندما شاهدوا وقائع حرب أكتوبر، لحظة بلحظة وكيف انتصر العرب. لقد تربى هؤلاء على انتصارهم يوم كيبور لدرجة أن قوات بلادهم عبرت الضفة الأخرى من القناة «الثغرة».
لكن نشر إسرائيل لوثائق الحرب مؤخرا أصاب كثيرين بغضب شديد ضد قيادات تاريخية، وصلت رغم مرور الزمن إلى قيام البعض بتلطيخ قبر موشيه ديان وزير الدفاع باللون الأحمر واتهامه بمسئوليته عن أكبر هزيمة لإسرائيل، حيث كادت القوات المصرية أن تصل إلى داخل حدود إسرائيل لولا التدخل الأمريكى المباشر.
وحسنا فعل إبراهيم البحراوى أن جمع قبيل وفاته، مجموعة من الباحثين والمتخصصين فى اللغة العبرية لترجمة عشرة آلاف صفحة من وثائق حرب أكتوبر الإسرائيلية إلى العربية لتصدر من المركز القومى للترجمة فى عدة مجلدات.
وكان من بين الوثائق محضر اجتماع مجلس الوزراء ظهر الأحد 7 أكتوبر سنة 1973، وفيه قول موشيه ديان لرئيسة الوزراء جولدا مائير نصا « أعترف أننى لم أقدر جيدا قوة العدو ولا قدراته القتالية، وكنت أبالغ فى تمجيد قواتنا. ولابد من الاعتراف بأن العرب يقاتلون بصورة أفضل كثيرا من الحروب السابقة». وواصل ديان قائلا « لو لم نحصل على السلاح فورا من مخازن الأمريكيين فى أوروبا فإن الحرب ستدور فوق أرض دولة إسرائيل.»
وفى محضر الاجتماع نفسه قال ديان « إن المصريين يرسلون أسرانا وهم يحملون الرايات البيضاء ليقنعوا زملاءهم فى المواقع الأخرى بالاستسلام».
وفى تقرير آخر بتاريخ 8 أكتوبر كتبه إسحق رابين رئيس أركان الجيش الإسرائيلى فى حرب يونيو عن زيارته الجبهة نقرأ «لقد تكبدت الفرقة الجنوبية بقيادة ألبرت خسائر ضخمة... لقد خسرت 150 دبابة، ولدينا سبعون قتيلًا وأكثر من أربعمائة جريح. إن معظم خسائرنا من الدبابات لم تنتج عن نيران دبابات مصرية وإنما عن أسلحة قوات المشاة».
ويتابع رابين قائلا «إن جميع من استمعت إليهم من قادتنا يؤكدون أن أفراد قوات المشاة المصريين متميزون للغاية.. لقد استطاع أربعون جندى منهم التصدى للواء عسكرى بكفاءة غريبة».
وفى محضر اجتماع لمجلس الوزراء فى اليوم ذاته فى الساعة السابعة والنصف مساء يقرر المجتمعون رأيهم « لا بديل سوى الانسحاب.. ولا أمل إلا فى الأمريكيين.»
وحتى تقييم الإسرائيليين أنفسهم للثغرة وعبور إريل شارون بفرقته إلى الضفة الشرقية للقناة، فقد جاء مؤكدا لوجهة النظر المصرية بأنه عبور غير مؤثر، ومجرد محاولة لتشتيت المصريين.
لكن يبدو أن تزوير التاريخ للأجيال القادمة سمة غالبة على دولة إسرائيل، فسلامٌ للشهداء، وتحية حب لروح الراحل إبراهيم البحراوى، الذى أضاء عقولنا بترجماته.
والله أعلم.