خارج السطر
شاهد على حرب أكتوبر
تمثل شهادة أحمد أبوالغيط على حرب أكتوبر، وما تبعها من صراع وتفاوض فى طريق السلام مع إسرائيل طلة جديدة نابعة من خارج المشهد العسكرى لتوثيق للحرب، لتُضيف أسرارا وحكايات لافتة حواها كتابه المهم «شاهد على الحرب والسلام».
وهى شهادة تجعل من صاحبها ليس مجرد متابع وصاحب رأى فى حدث تاريخى مفصلى فى الصراع العربى الإسرائيلى هو انتصار أكتوبر، وإنما شاهد مشارك كما يقول السفير محمد عاصم إبراهيم سفير مصر السابق فى إسرائيل، رأى وتابع وعايش وفكر وساهم فى صياغة بعض تصورات الصراع.
وأحمد أبو الغيط الذى تولى فيما بعد وزارة الخارجية لنحو سبع سنوات، قبل أن يشغل حاليا أمين عام جامعة الدول العربية، كان فى زمن ما معاونا لواحد من أهم صناع سياسة الأمن القومى المصرى وهو محمد حافظ إسماعيل.
كان إسماعيل مستشارا للأمن القومى، وكان معنيا مع المخابرات العامة بتنفيذ خطة خداع استراتيجى للعدو، ومعه كوادر من المخابرات والخارجية من بينهم اثنان من الشباب هما أحمد ماهر وأحمد أبو الغيط، وسيتوليان فيما بعد منصب وزير الخارجية.
ويقدم لنا الشاهد تفاصيل دقيقة عن يوم السبت 6 أكتوبر إذ يقول إنه كان يتحدث مع أحمد ماهر فى حديقة قصر خصص لعمل مستشارية الأمن القومى، عندما دخلت سيارة حافظ إسماعيل، وهبط منها مسرعا إلى مكتبه، وسأله «ماهر» إن كان لاحظ شيئا غريبا، فقال إن وجه الرجل يبدو صارما وشديد الجدية، لكن «ماهر» أخبره أنه لاحظ أنه يُمسك بين أصابعه سيجارة ونحن فى شهر رمضان، وتساءل: ما الحدث الجلل الذى جعله يفطر؟
ودخل كلاهما إلى الرجل بناء على استدعائه، فأخرج مظروفا وقال لـ«ماهر» ابعث به إلى السفير أشرف غربال المسئول عن التغطية الإعلامية، والموجود فى ماسبيرو، وأخبره ألا يفتح المظروف قبل 1.30 ظهرا. وقال إن المظروف يتضمن بيانًا صادرًا عن القيادة بأن الطيران الإسرائيلى قام فى الساعة الواحدة والنصف بمهاجمة مواقع مصرية وأن القوات المسلحة قامت بالرد عليها موضحا أن مصر ستبدأ العمليات فى الـ 2:05.
وقال «ماهر» إنه من الخطأ اعلان البيان الساعة 1.30 لأننا سنكشف للعدو نوايانا قبل بدئها بنصف ساعة. ووافقه «اسماعيل» وأمر بفتح المظروف بعد الثانية ظهرا وانطلقت المعركة وجرى عبور القوات.
وتبدو حكايات الخداع الاستراتيجى مهمة، إذ كانت مصر تُعد للأمر منذ ربيع العام ذاته. ويذكر أبو الغيط أنه كتب فى مذكرة مقترحات فى يونيو 73 لرئيسه حافظ إسماعيل أن على مصر الترتيب لضربة مفاجئة تحقق بها أهدافا محدودة تمهد للتحرك الدبلوماسى، لكن «إسماعيل» علق بأنه لا يُمكن أن نبدأ ضربة مفاجئة دون أن نعرف كيف ستتوقف العمليات، ودون تحديد هدف.
وبالفعل نظمت مصر حشودا استعراضية لقواتها فى توقيتات متكررة لتستنزف موارد إسرائيل بدفعها عدة مرات لاستدعاء الاحتياطى، لذا فإن الحشود التى عادت غرب القناة نهاية سبتمبر اعتبرها العدو تحركات استعراضية كالسابقة.
وكان من الغريب ما ذكره «أبو الغيط» من قيام السفير الروسى بالقاهرة بزيارة حافظ إسماعيل يوم 4 أكتوبر وسؤاله إن كانت مصر تنوى خرق وقف إطلاق النار، وبالطبع لم يجبه «اسماعيل» وقال له إن عليه التحدث مع الرئيس السادات. لكن السفير الروسى عاد فى اليوم التالى مقدما رسالة تحذير من الاتحاد السوفيتى من الاقدام على أى عمل عسكرى تجاه إسرائيل لأن القدرات المصرية غير متكافئة وستتعرض لهزيمة قاسية.
ويقف أبو الغيط فى شهادته عند نقطة مهمة بشأن قول حافظ إسماعيل لكيسنجر بعد اندلاع المعركة بأن مصر لا تسعى لتوسيع اطار المواجهة أو تعميقها. ويقول إن كتابات عديدة عدائية اعتبرت ذلك بمثابة كشف لنوايا مصر فى صراعها المسلح مع إسرائيل، وهو ما يجانب الحقيقة. وقال إن الطيران الإسرائيلى أغار بعد العبور على قواعد جوية فى الدلتا، ولم يتمكن من الوصول إليها فقصف إحدى القرى المجاورة، وكان لابد من إرسال رسالة إليهم تنطوى على تهديد بأن مصر لديها صواريخ سكود يمكن أن تصل إلى عمق اسرائيل لو أرادت. وبالفعل أدى التهديد هدفه فلم يقم سلاح الجو الإسرائيلى بأى إغارات بعدها على مواقع مدنية خارج الجبهة.
والله أعلم.