بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

على فكرة

فى محبة تحية كاظم

كنت فى التاسعة من عمرى حين ماتت أمى. قادتنى حيل الطفولة الماكرة  إلى اصطفاء أم بديلة  فى الوهم والمخيلة، أبثها همومى وشكاوى فى لحظات وحدتى وارتباكى وحيرتى ، فكانت هى السيدة تحية كاظم زوجة الزعيم جمال عبد الناصر. بت أجمع صورها من الصحف والمجلات ، رغم ندرتها، وأصفها فى كراسة مدرسية ، واختلى بنفسى فى بعض الأمسيات، وأشرع فى الحديث معها ، أو بالأحرى مع صورها ، ومن فرط العجب ، كنت أشعر بقدر من الراحة النفسية من»لعبة الوهم  « تلك  التى اخترعتها لمداوة جروح الطفولة. لم تكن محبتى لها هى  حالى وحدى ، بل كانت تلك مشاعر سائدة بين بنات جيلى من زميلات الدراسة، وامتدت فيما بعد لتشمل معظم المصريين. 

لماذا أحب المصريون تحية عبد الناصر، ووضعوها فى مكانة خاصة لديهم منذ البداية وحتى النهاية؟ هل فقط لأنها زوجة للزعيم الذى أحبوه وقدسوه ولايزالون يرفعون صوره فى معظم الميادين العربية  فى المظاهرات التى تتوق شوقًا  للعدل والكرامة والإباء والحرية؟ 

لايستطيع أحد بطبيعة الحال أن ينكر التفاعل الإيجابى الذى حدث بين شخصية عبدالناصر وزوجته ، وبالتحديد الصورة التى طبعت فى نفوس المصريين والعرب عنه وعن أسرته، حيث بدت لنا  أسرة من الطبقة الوسطى، التى ساهمت سياسيات عهده فى انعاشها ونهضتها، وتقلدها لمسئوليات قيادة البلاد فى كافة المواقع والمرافق. وفى قلب تلك الصورة بدت تحية عبد الناصر امرأة سمحة الملامح ، من يدقق فى صورتها يكتشف بعض التقارب بينها وبين ملامح عبد الناصر-لعله الحب الذى جمع قلبيهما هو ما صنع ذلك -  مع أنها من الإسكندرية، وهو برغم مولده فى الاسكندرية، إلا أن  أصول اسرته تعود إلى  محافظة أسيوط  فى صعيد مصر، هذا فضلا عن بساطة طلتها  وتواضع  حضورها ، بما جعلها شبيهة بكل النساء و الأمهات ومعظم الزوجات ، وقريبة من القلوب التى لم تسمها بغير»السيدة الجليلة « 

وتكشف المذكرات التى كتبتها تحية عبد الناصر ، بلغة تكتسب جمالها من بساطتها وصدقها ، وتم نشرها بعد رحيلها ، بعنوان «ذكريات معه» جوانب من شخصيتها النبيلة ، ومن قدرتها الهائلة على التحمل لحياة ماقبل الثورة -8سنوات -وما بعدها -18 عاما-والمخاطر التى أحاطت بها وبزعميها، إلى وقوع الانفصال عن سوريا ، كما تبين مدى العشق  الذى لا سماء لحدوده لأسرتها وزوجها ووطنها . فقد أصرت على الزواج منه برغم بعض الاعتراضات العائلية ، وهى تنتمى لأسرة ثرية، بينما ينتمى هو لأسرة موظف بسيط ، وكان يخطو أولى خطواته فى الجيش . 

لم تكن تحية عبد الناصر من هواة الحياة الشكلية ، تجلى ذلك فيما كانت ترتديه من ملابس تتسم بالوقار والبساطة، بالإضافة إلى أنها بدت  شخصية تتحلى بالقناعة. لم تقبل فقط ما  فرُض عليها من حياة بحكم موقع زوجها، بل أحبته وتقبلت شروطه القاسية . ومنذ زواجها من عبد الناصر فى يونيو 1944 تنقلت بين ثلاثة بيوت ، إلى أن استقرت فى بيت منشية البكرى ، لكنها تباهت  فى المذكرات بمحبة البيوت الثلاثة. وخيبت تحليلات من شاءوا أن يصفوا عبد الناصر بالشخصية المحافظة اجتماعيًا ، حين ألقت الضوء على علاقته المميزة بأبنائه وبناته ومتعته الغامرة بفنى السينما والتصوير، واصطحابه لها فى عدد من زيارته الخارجية والمناسبات الداخلية ، وحثه لها على مواصلة كتابة ذكرياتها ، بعد أن توقفت عنها. ويبرز ملف الصور المنشور فى الكتاب ، وعلى وجه الخصوص تلك التى تجمعها بالرئيس، نظرات الحب الغامر المتبادلة بينهما ، بما لا يجعل لكلمة «محافظ»مكانًا للإعراب! 

وفى الذكرى الخمسين لرحيل جمال عبد الناصر ، يتبادر إلى الذهن السؤال التالى : 

هل كان بالإمكان أن ينجح  جمال عبد الناصر ومشروعه، دون عون ورعاية شخصية  ثرية وملهمة مثل تحية كاظم؟ 

الإجابة بكل أريحية هى : لا.