تأملات
بلاغ لرئيس الوزراء عن مأساة حى اسمه «300»!
قبل أن تقرأ.. ليس هدف هذا المقال استعراض مشكلة حى من أحياء مصر، فتلك ربما تكون نظرة ضيقة وربما يكون مكانها باب الشكاوى فى الصحف، وإنما الهدف مناقشة فلسفة العمران التى يقوم على متابعتها والإشراف على تنفيذها الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء وتستهدف مضاعفة مساحة المعمور من أرض مصر، وعلى هذا الأساس فهو الأولى بتوجيه الخطاب إليه.
ولعل الحى الذى يحمل هذا الاسم «300» ويقع فى مدينة 6 اكتوبر يمثل أفضل تعبير، عما نهدف للإشارة إليه والتأكيد عليه. ليس ذلك فقط، بل إن المفارقة أن نمط تطور المكان يأتى على خلاف الرؤى التى يؤكد عليها الرئيس دوما وهو أننا يجب أن ننجز فى شهور ما يمكن أن ننجزه فى سنوات فى إطار حقيقة أننا فى سباق مع الزمن لتعويض ما فاتنا جراء عقود الإهمال التى عايشناها بسبب تقاعس الأنظمة والحكومات السابقة.
باختصار شديد ولكى أضع سيادة رئيس الوزراء فى الصورة فإن الحى 300 ذاك ويعرف باسم مشروع الألفين قطعة، تم تخصيصه لملاكه من خلال قرعة جرت عام 2007، والغريب أنه بعد 13 سنة من القرعة فإن المكان غير مهيأ للسكن ولا الإقامة رغم أنه التهم مليارات الجنيهات تم انفاقها على إقامة عمارات وتشطيبات للسكن فيها. ولكى تصبح الصورة أكثر جلاء يكفى أن أشير إلى حالة صديق لى تم تخصيص الأرض له وكانت ابنته فى الثانية عشرة من عمرها، وبدأ يخطط لما سيكون عليه مستقبل أسرته فى المكان واختارت الابنة شكل غرفتها وتفاصيلها وتمر الأيام وتتخرج الابنة وتتزوج وتذهب إلى بيت زوجها وتضيع معها أحلام الطفولة فى سكن أسرتها. تخيل!
الأكثر غرابة أن وزارة الإسكان طرحت من القرعات بعد هذه القرعة ربما العشرات ولك أن تتخيل حال أصحاب هذه الأراضى والذى ربما يكون أكثر سوءا من سابقيهم، وهو ما يشير إلى جوهر أزمة ربما لا نبالغ إذا وصفناها بالخطيرة وهى بيع الأراضى دون خطط للترفيق - توفير مرافق من كهرباء ومياه وصرف ورصف طرق وتليفونات وخدمات - أو قدرات على الترفيق أو على الأقل تقاعس عن الترفيق!!
من موقع كالفنار فى وسط البحر، هو عبارة عن جروب على الواتس، أراقب أحوال السكان الذين غامروا بالانتقال لهذا المكان، وأشهد استغاثاتهم كأفراد فى سفن توشك على الغرق، دون أن أملك القيام لهم بشىء سوى التعاطف والتمنيات لهم بتجاوز أزمتهم ودون أن تتحرك جهات الإنقاذ التى تملك إمكانيات التدخل لإخراجهم من سوء حالهم. أشاهدهم يضربون أخماسا فى أسداس دون جدوي، ومن عجب أنهم بعد أن ينفد ما لديهم من الأخماس والأسداس يلجأون إلى «اقتراض» أخماس وأسداس جديدة من آخرين دون مجيب!
أقول، رغم أنى لا أنكر أن فى حديثى قدرا من المبالغة لتقريب الصورة ليس إلا، تذكرنى أحوال هؤلاء بفيلم اسمه «300» أيضا يعبر عن قوة العزيمة فى مواجهة الصعاب ورغم أن الـ 300 جندى اليونانيين فى ذاك الفيلم هزموا على يد جنود الفرس بمنطق أن الكثرة تغلب الشجاعة، إلا أن سكان حى 300 يبدو أنهم يصرون على الصمود حتى آخر نفس لكى يحيوا فى بيئة تقدم لهم أبسط مقومات الحياة، فالكهرباء غير متوافرة إلا بشق الأنفس وتنقطع بشكل متواصل، وصرخاتهم من عدم انتظام المياه لا تتوقف، وأما الطرق فهى ربما آخر ما يفكر القائمون على مرافق المكان فى القيام به... باختصار إننا أمام شهادة مثالية على نجاح البيروقراطية المصرية فى توفير كافة مقومات الطرد من مثل هذه الأماكن؟
على مستواى الشخصى وفى حدود اهتمامى بهذا النوع من القضايا لا يبدو الأمر غريبا عني، حيث أشرت من قبل فى مقال لى إلى حالة شبيهة تتمثل فى مدينتى سوهاج وأسوان الجديدتين اللتين صرفت عليهما الدولة مليارات الجنيهات فيما عدد سكانهما لا يتجاوز 500 أسرة! وهو ما يماثل حى 300 الذى لا يتجاوز عدد سكانه مائة أسرة!
فى صرخاتهم يمكن لك أن تلمس أن السكان لم يتركوا سبيلا إلا وطرقوه من أجل إيصال صوتهم للمسئولين، سواء من خلال لقاءات مع كافة «رؤساء» وليس رئيس جهاز مدينة 6 أكتوبر او هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، ومحاولة التواصل مع المسئولين بوزارة الإسكان، بل ونشر استغاثات فى الصحف وكلها جهود لا تأتى بالنتائج المطلوبة.
ليس لذلك من معنى سوى أن هذا النهج من التعامل مع فكرة العمران يمثل استنزافا للمال - سواء كان مال الدولة فى المدن التى تقوم على إنشائها أو مال المواطنين فى العمارات التى يشيدونها فى أراضٍ حصلوا عليها من الدولة، دون أن تكون لديهم القدرة على سكناها بسبب انعدام أو خلل المرافق، وهو أمر يعكس تغليب منطق الكم على الكيف، وهو أمر واضح فى حجم المعلن عن شقق سكنية بطول الدولة وعرضها دون أن يتم تسليمها لأصحابها والاستمرار فى سياسة فتح باب الحجز دون الانتهاء من تسليم «المحجوز» القديم!! ومن هنا كان تأكيدى على أن سطورى لا تستهدف موقعا بعينه وإنما اتخاذ حى 300 كمجرد مثال لتوصيل الصورة لرئيس الوزراء، رغم يقينى بأنها ربما- إن لم يكن من المؤكد- ليست غائبة عنه!!