على فكرة
مصالحة فى أحضان العدو
أظنه صلاح عيسى، من كان يستخدم فى كتاباته الساخرة، كلمة كيد النسا فى العلاقات السياسية، وهى تعنى حيل المكر والخداع، وقلب الحقائق، بهدف إغاظة الخصم. فمن هو يا ترى الخصم الذى اختارت حركتا فتح وحماس، أن تكيدا له، وهما تشدان الرحال إلى اسطنبول التركية للتفاوض على إجراء مصالحة بينهما؟
ليست مصر بطبيعة الحال وحدها المعنية بهذا الكيد، برغم أن إداراتها أصرت على ألا تقطع العلاقة مع حركة حماس على مدار 12 عاما من انقلابها عن السلطة الوطنية الفلسطينية المنتخبة، وإقامتها إمارة إسلامية فى غزة، بدعم من محور إقليمى، يقود حروبا إرهابية واستعمارية وإعلامية على دول المنطقة، يضم قطر وتركيا وإيران. وبرغم الاتهامات الموجهة لحماس بإيوائها وتدريبها للعناصر الإرهابية التى تتسلل داخل الحدود المصرية لممارسة التدمير والفوضى. لعلها ألا تكون مصر، التى تهدد تركيا أمنها القومى، ومصالحها البحرية داخل الحدود الليبية وفى شرق المتوسط.
تصدرت مصر منذ بداية الانقسام الفلسطينى، لقيادة مفاوضات شاقة من أجل التوصل لمصالحة، تجنب القضية الفلسطينية مزيدا من الخسائر، وتحفظ للشعب الفلسطينى حقوقه المشروعة فى إقامة دولة على حدود يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. وهو موقف تتمسك به الإدارة المصرية فى كل المحافل الدولية والإقليمية، برغم اختلال غير مسبوق فى موازين القوى الدولية والإقليمية والفلسطينية، يسير فى غير صالح دول المنطقة، وفى الاتجاه المعاكس لتلك الحقوق المشروعة. وهو اختلال لم تحدثه فقط صفقة ترامب للقرن التى يجرى تنفيذها على قدم وساق، ولكن أيضاً بسبب الجهود الأمريكية والإسرائيلية المشتركة، التى تسعى للإطاحة بالقيادة الفلسطينية المنتخبة، وإحلال قيادة بديلة، تقبل إملاءات الصفقة وشروطها، فضلا عن داء الانقسام الفلسطينى، الذى لا تلوح أية بارقة أمل فى شفائه، وعجزت جهود الإدارة المصرية الحثيثة والمخلصة فى التوصل إليه، بسبب الدعم الذى تحوزه حماس من المحور القطرى - التركى. ولا يشك سوى الحمقى والمغرضين، أن الإدارة المصرية، سوف تكون أكثر الأطراف ترحيبا ودعما، إذا ما حظى اتفاق الطرفين فى إسطنبول على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية فى رام الله وغزة فى غضون ستة أشهر، بالنجاح، ولم يكن مجرد جزء من حملات الدعاية التركية لإخراج أردوغان من عزلته، وتكريس بلطجته فى الإقليم!
هذه الخطوة، مثلها مثل زيارة هنية لجنوب لبنان فى رعاية حزب الله، نوع من كيد النسا، لا تجلب سوى مزيد من الشقاء للشعب الفلسطينى، فضلا عن أنها تعكس التخبط فى القرار الفلسطينى، والارتباك السارى فى إدارة الحكم داخل السلطة الفلسطينية. وهى بالإضافة لذلك تؤكد أن القيادات الفلسطينية لا تتعلم من دورس التاريخ المعاصر، بل هى تكرر نفس أخطائه.
حين اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى ضد وصاية بريطانيا الاستعمارية وإرهاب العصابات الصهيونية عام 1936، أسس مفتى القدس الحاج أمين الحسينى الهيئة العربية العليا لفلسطين، لدعم الانتفاضة وإدارة شئونها، وأخذ يبحث عن حلفاء لتحرير الدول العربية من الاحتلال البريطانى. وقاده تفكيره إلى التحالف مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، انطلاقا من قاعدة مشكوك فى فاعليتها، فى عالم السياسة التى تحركه المصالح، وهى أن عدو عدوى هو صديقى. وفى هذا السياق التقى بهتلر وعقد معه اتفاقا ينطوى على موافقته على اعتراف دول المحور باستقلال الدول العربية الواقعة تحت الانتداب، وعدم الاعتراف بوطن قومى لليهود فى فلسطين. بقية القصة معروفة. قمعت الانتفاضة الفلسطينية عام 1939، وانهزمت دول المحور أمام الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية، وخضعت الدول العربية للضغوط لرفض قرار التقسيم، وهزمت فى حرب 1948 أمام إسرائيل.. إلخ!
التحالفات لا تبنى، للكيد، بل لتقليل الخسائر وتعزيز المصالح.
حمى الله الشعب الفلسطينى من ارتباك قيادته، أما أعداؤه فهو كفيل بهم!