بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

حكايات أحمد أبو الغيط (3ـ3)

 

 

 

ليس أسهل من لعن الآخر، سبه على المسبحة، وانتقاد أفعاله، ووصفه بالشيطان الأعظم، تلك صيغة سهلة للتعامل مع الولايات المتحدة، أكبر قوة عسكرية واقتصادية مؤثرة فى العالم.

لكن هذه الصيغة الشعبوية، الجاذبة لرضا العامة، والتى يمكن لأى ديكتاتور بغيض استغلالها لحشد التأييد للبقاء فى مقعده لأطول مدى، غالبا ما تحمل أضرارًا بمصالح الوطن. فالسياسة ليست سبا ولعنا، وإنما فهم واستغلال مثالي للقدرات والإمكانات لتحقيق مصالح البلاد.

يبدو ذلك المفهوم واضحًا فى الفصل الرابع من شهادة أحمد أبو الغيط وزير خارجية مصر خلال الفترة من 2004 إلى 2011، والتى كشفت بوضوح أن مصر رغم شيخوخة رجلها الأول وقتها، كانت دولة مؤسسات قادرة على التأثير ولعب دور إقليمى مهم فى المنطقة.

يؤكد «أبو الغيط» أن العلاقات مع أمريكا كانت محل شد وجذب لتحقيق المصالح الوطنية بعيدا عن العداء السافر، والتبعية المهينة. كان الرجل قد قضى ثلاثة عشر عاما فى أمريكا من خلال عمله بالأمم المتحدة، وصار مُشبعا بالمجتمع الأمريكى والعقل السياسى هناك، وقادرا على التفاهم معه بذكاء واحتراف.

وعندما كلف فى يوليو 2004 بمسئولية وزارة الخارجية، دار برأسه خلال رحلة عودته من نيويورك إلى القاهرة لاستلام منصبه، أبعاد التاريخ المصرى وقدرات مصر على التأثير اعتمادا على استقلالها الحقيقى حتى خلال فترات تبعيتها للدولة العثمانية.

من هنا، عززت مصر تقاربها مع الولايات المتحدة من خلال المشاركة كأكبر دولة عربية فى حضور اجتماعات حلف الأطلسي، لكن ذلك لم يكن دافعًا لقبول الطلب الأمريكى لإرسال قوات مصرية إلى أفغانستان والعراق.

وكانت قضية المجتمع المدنى إحدى محاولات الهيمنة الأمريكية على مصر، من خلال تخصيص القدر الأكبر من المعونة الاقتصادية إلى جمعيات حقوقية غير حكومية منها كيانات غير مصرية مثل المعهد الجمهورى وفريدوم هاوس، لكن الأمن القومى المصرى استشعر الخطر بعد زيادة مخصصات تلك الجمعيات بدون رقابة قانونية، ما دفع مصر للاحتجاج وإخضاع كافة المؤسسات للرقابة.

وكان لدى أحمد أبو الغيط، بحكم خبراته هاجس فى وجود علاقات ربط بين تلك المؤسسات وبين رغبة أمريكا فى الهيمنة الكاملة على مصر، وفيما بعد أكدت مذكرات كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية صحة ذلك الهاجس.

المهم أنه رغم برودة العلاقات نتيجة ذلك، كان واضحًا أن البلدين لا يمكنهما قطع جسور التواصل تماما، لذا فقد تمت استعادة الحوار الاستراتيجى بجهد من الخارجية والمخابرات العامة، وسرعان ما عاد الدفء مرحليًا، واختار باراك أوباما مصر لتوجيه رسالة إلى العالم الإسلامي.

ويحكى «أبوالغيط» بعض المواقف الغريبة التى تكشف سياسات كيد صغيرة تثير حنقا لدى رؤساء الدول، فيشير مثلا إلى دعوة أوباما للرئيس مبارك لزيارة واشنطن فى أغسطس 2009، وعندما وصل مبارك البيت الأبيض بقى واقفًا هو ومن معه عدة دقائق قبل دخوله على الرئيس الأمريكي، ما دفع أبو الغيط ورشيد محمد رشيد لاختلاق موضوعات للحديث مع الرئيس وشغله خلال تلك الفترة، لذلك فعند الزيارة التالية لمبارك إلى واشنطن فى 2010 اتصل أبو الغيط بالسفيرة الأمريكية وبسفير مصر فى واشنطن لتحذيرهم من تكرار موقف انتظار مبارك أمام «باب الإمبراطور» على حد تعبيره.

وفى 2010، كان لأبو الغيط وعمر سليمان لقاء مع الجنرال جونز مستشار الأمن القومى الأمريكي، فى البيت الأبيض، وبعد مرورهما من بوابة التأمين ودخولهما صالون الرجل، جاءت إحدى السكرتيرات بصحبة مارينز، وسألت إن كان أحد تعرض للعلاج الكيماوي، وتذكر أبو الغيط أنه أجرى فى القاهرة قبل أيام فحصًا طبيًا بأشعة الليثيوم، وجاء المارينز متوجسين وسألوه : ما اسمك وأين أوراقك، فرد غاضبًا: أنا وزير خارجية مصر، وإن استمر الموقف فسأغادر فورًا، لكن الجنرال جونز جاءه بعد قليل واعتذر له بأن رجال البحرية لا يعرفون البروتوكول.

والله أعلم.

 

[email protected]