بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

ضوء فى آخر النفق

هكذا يكون الأستاذ

 

 

 

عرفت عن قرب أساتذة جامعيين من طراز فريد. قبل الجامعة شغفنى إسهام العظماء الثلاثة لويس عوض وزكى نجيب محمود وفؤاد زكريا كأيقونات لن تتكرر. ثم أنصت طيلة فترة دراستى الجامعية إلى أستاذى الدكتور أحمد زكريا الشِّلْق وهو يتحدث بإعجاب وتقدير عن الأساتذة الكبار عبد الخالق لاشين وأحمد عبدالرحيم مصطفى و محمد شفيق غربال، صاحب الكتاب الذهبى «مصر هبة المصريين». وفى غرفة تليق بمؤرخى التاريخ الوسيط كان الدكتور رأفت عبد الحميد يملأ المكان بعبق ثقافته وأناقة كلماته وبهاء روحه بجانب غزارة فكره وامتلاكه ناصية الرؤية فى علم التاريخ. الجلوس إلى الدكتور الشِّلْق والدكتور رأفت متعة لا تضارع. ولم يكن لطالب أن يحتل مقعدًا إلى مكتبيهما من دون استحقاق. قد يفتحان المجال لطالب سؤال أو باحث عن كتاب أو ما شابه ذلك، لكن أن يفسحا مقعدًا إلى جانبهما لتلميذ لهما فهذا الشرف له قواعده وأصوله واستحقاقات وجب دفعها.

عرفت رأفت عبد الحميد -طيب الله ذكراه وثراه-قبل الدكتور أحمد زكريا.. كان حضوره فى المدرج بهيًا. كان رجلًا مهيبًا مهابًا، عن احترام وليس عن خوف. صوته يسرى فى الآذان فيعرف كيف يمسك بها، ويعرف كيف يبتكر الجمل الأدبية البليغة المحكمة الصياغة، وذات محاضرة تحدث فيها عن ما يعرف تاريخيا بإذلال كانوسا (ويتعلق بحرمان كنسى للإمبراطور هنرى الرابع رأس الإمبراطورية الرومانية) قال إن البابا غريغورى السابع كان قاب قوسين أو أدنى من إذلال الامبراطور هنرى..لكن الطالب الشاب الذى هو أنا–وكنت آنذاك أقرأ كل حرف للمفكر وكبير أساتذة الفلسفة المصريين د.زكى نجيب محمود-انبرى قائلا: إن زكى نجيب كتب مقالا أورد فيه العبارة بشكل مغاير تمامًا..قال:«كنت قاب قوس واحد من....»! وكان علىّ أن أناقش أستاذى. ابتسم الدكتور رأفت، وراح يوضح- من دون أن يقلل من الدكتور زكى مطلقًا- أن هذا المنطق ليس صحيحًا عمليًا وأورد أسبابًا ليس هنا مجال شرحها. المعنى هنا هو استيعاب الأستاذ لتلميذه، فقد أخبرنا دائمًا أنه يريدنا أن نكون «عقولا مفكرة لا أقلامًا ناقلةً». استطاع أن يخلق طبقات جيولوجية فى وعينا وثقافتنا منذ أن كنا طلابًا، وذلك عكس السائد بين الطلاب أن الاختلاف مع الأساتذة يودى إلى التهلكة.

فى «سيكشن» التاريخ الحديث والمعاصر عرفت الدكتور أحمد زكريا الفائز بجائزة الدولة التقديرية 2010، وكان- ولايزال- تميزه طلة إنسانية مدهشة تجعلك تشعر معها أنك لست فى حضرة أستاذ وإنما أب أو أخ أكبر.. هدوؤه وابتسامته ووسامته جعلته يدخل قلوب طلابه بأسرع مما نتخيل. قال الدكتور زكريا عبارة رديارد كبلنج الشهيرة: الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا وإذا بى أنبرى من مقعدى لأقول بثقة: لكن الدكتور زكى نجيب محمود أثبت خطأ هذه المقولة عندما قال إنهما التقيا فيما يعرف بـ(الشرق الفنان)، فى هذه الأمة التى خلقها الله أمة وسطًا، تمزج بين الخيال والروح الشرقية وبين العلم والعقل فى الثقافة الغربية. ضحك الدكتور زكريا من قلبه وأبدى اهتمامًا لما ذكره تلميذه وفى ختام محاضرته دعاه إلى مكتبه. ومن دون أن أدرى أعَدّنى فى هذه اللحظة لأكون أول دفعتى. هذا هو الأستاذ الذى نريده.