خارج السطر
حكايات أحمد أبوالغيط (1-3)
وشهد شاهد من أهلها، و«ها» هنا ضمير متصل يعود على الدبلوماسية المصرية، المؤسسة العظيمة ذات القواعد الراسخة والمبادئ النزيهة.
إننا نقرأ لنعرف ونتعلم ونستمتع ونزداد وعياً على وعى، وفى بعض الأحيان لنفكر ونتدبر ونكتب. وشهادة أحمد أبوالغيط وزير الخارجية المصرية التى حملت عنوان «شهادتى» وصدرت عن دار نهضة مصر، وحققت حتى الآن تسعة طبعات، تمثل إطلالة نادرة على زمن قريب بحساب السنين، بعيد بحساب المعلومات الدقيقة والشهادات الموثقة.
ولاشك فى أن ذلك بمثابة إضاءة كاشفة لعتمة السنوات الأخيرة للسياسة الخارجية المصرية فى زمن مبارك، تستحق قراءة موسعة.
تولى الرجل مسئولية وزارة الخارجية فى الفترة من 2004 حتى 2011، فشاهد وعاصر وتابع معارك وصراعات وتحولات مصيرية فى تاريخنا الحديث.
وما يلفت النظر للوهلة الأولى فى المذكرات أن مصر- حتى فى سنوات شيخوخة نظام مبارك- كانت دولة مؤسسات تصاغ قراراتها ورؤاها الخارجية عبر قنوات احترافية، ولم يكن الأمر مقصوراً على إرادة فرد أو رغبة شخص.
ويبدو أن جهاز المخابرات المصرية كان حاضراً ومؤثراً فى كثير من التوجهات بما يتوافق مع مصالح مصر، فيحكى أبوالغيط مثلاً أن القذافى طلب التعرف عليه فور تعيينه وزيراً للخارجية، فسافر إلى هناك مع اللواء عمر سليمان، الذى يحظى بتقدير واحترام شديد من أبوالغيط فى كل فصول الكتاب باعتباره وطنياً قوياً ومحترفاً، وذهبا لمقابلة الزعيم الليبى فى خيمته الصحراوية، والتقاهما بملابسه الغريبة، وتناولوا فطوراً بسيطاً من جبن وعسل وخبز، لكن الذباب كان يملأ المكان، ويحط على الطعام، وانقضى اللقاء كله فى مهاجمة القذافى للسعودية، وفى طريق العودة أبدى أبوالغيط اندهاشه لعمر سليمان من الأداء التمثيلى للقذافى، فرد عليه بأن مصالح مصر ربما تدفعك للتعامل مع شخوص غرباء. وحكى أبوالغيط أن الرئيس مبارك سأله بعد تمرد الشعب الليبى على القذافى فى فبراير 2011 عما يحدث، فقدم له تحليلاً تفصيلياً، فعلق مبارك بأن القذافى شخص عنيد وقاسى القلب.
ويرى أبوالغيط أن انهيار نظام مبارك جرى بسبب طول البقاء فى الحكم ونمو توجه توريث الحكم لنجل الرئيس، ويقول إنه قال لعمر سليمان إنه لن يستمر فى العمل حال تولى جمال مبارك الحكم، فرد عليه رئيس المخابرات «ولا أنا».
وكان مبارك يجرى اتصالين على الأقل بوزير خارجيته كل يوم، وظل حريصاً على متابعة كل ما يحدث، غير أن قواه انهارت فجأة بعد وفاة حفيده، وصار أميل إلى الانعزال لأوقات عديدة.
ويحسب لمبارك- وأنا لم أكن يوماً من محبيه- خروجه بشكل هادئ وعدم إصداره أى أوامر للقوات المسلحة لقمع الانتفاضة مثلما حدث فى سوريا، غير أن الأمر ربما يرجع ليقين مبارك بأنه لا يستطيع إصدار مثل هذا الأمر، ولو حدث فإنه لن ينفذ، وحكى أبوالغيط أن المشير طنطاوى استطلع رأيه عقب 25 يناير بشكل غير مباشر عندما أخبره بأن هناك أقاويل تتردد مفادها أن يأمر الرئيس بقمع الجيش للانتفاضة، فرد أبوالغيط بأن عقيدة الجيش المصرى تمنعه من أى اعتداء على الشعب.
ويحرص أبوالغيط فى كثير من المواقف أن يقدم لمبارك آراءه التى قد تتعارض مع توجهات مبارك نفسها، وكان من ذلك رأيه مثلاً بالإفراج عن أيمن نور بعد قضية توكيلات حزب الغد لاعتقاده أن الغرض من القضية تهيئة المناخ لجمال مبارك وإزاحة أى منافسين محتملين له.
وللحديث بقية..
والله أعلم.