سلالم
أثرياء ولكن
كان الكاتب الإنجليزى فرانسيس بيكون يقول «وراء كل ثروة عظيمة جريمة أعظم»، وعلى مدى عقود طويلة ظلت النظرة السائدة دوما للأكثر ثراء فى العالم بأنهم الأكثر شرا والأسوأ خلقا.
ويبدو لى أن السينما العالمية لعبت دورا فى تأكيد هذه الفكرة، خاصة فى الفيلم العظيم «الأب الروحى» بأجزائه الثلاثة، عندما قدم حكايات إحدى عائلات المافيا وصعوده فى عالم الأعمال.
والواقع أنه لم يخلُ فيلم عالمى من محاولة تأكيد ثنائية الشر والثراء، ما أوجد انطباعا دائما بأن الأغنياء حتما لا أخلاقيين، ودوما غير وطنيين، وغالبا قساة القلوب ولا يكترثون للإنسانية المعذبة.
ولما كانت جائحة كورونا، فرصة ذهبية لتغيير مفاهيم، وكسر تصورات تقليدية، وغسل أفكار ونظريات، فقد انتهز مجموعة من الأثرياء الكبار فى أمريكا ما فرضته الجائحة من آثار اجتماعية سلبية على معظم البلدان وتبنوا خطابا غريبا جدا، مفاده المطالبة بزيادة ما يدفعونه من ضرائب للحكومات فى ظل الجائحة إثباتا أنهم وطنيون وأخلاقيون، وشركاء لمجتمعاتهم.
مورس بيرل، مصرفى أميركى كبير كان يدير صندوق بلاكروك، قال فى رسالة له على تويتر «يفترض بنا كمليونيرات لعب دور حقيقى فى إحياء عالمنا». واقترح زيادة الضرائب على الأكثر ربحا والأكثر ثراء، وأضاف « إن الأمر لا يتعلق برغبتى فى دفع المزيد من الضرائب، وإنما مساعدة أشخاص يموتون من الجوع لأنهم لا يمتلكون المال الكافى للعيش».
ونشر 83 من مليونيرات أميركا يطلقون على أنفسهم «الأثرياء الوطنيين» رسالة فى الميديا يطالبون فيها الحكومة بتطبيق نظام ضرائبى أكثر عدلا يُحمل الأكثر ثراء بضرائب أكبر. وقال أحدهم « لا أريد أن أعيش فى بلد فيه أقلية من الأثرياء والعديد من الفقراء، فهذا ليس البلد الذى نشأت فيه، وهو ليس البلد الذى أريد أن ينشأ فيه أبنائى وأحفادى.»
وأفاد استطلاع أجرته قناة «سى إن سى بى» الأمريكية والمتخصصة فى شئون المال والأعمال بأن نحو 60 فى المئة من المليونيرات الأمريكيين يؤيدون فرض ضرائب أعلى على من تزيد ثرواتهم على 50 مليون دولار.
بالطبع ليس كل الأثرياء يحملون ذلك الفكر الغيرى، فشركة مثل أمازون المملوكة لجيف بيزوس لم تدفع خلال عام 2018 دولارا واحدا للخزينة الأمريكية، ومثلها فعلت نيتفليكس، وستاربكس، مستفيدين من إعفاءات تحفيزية قررتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، وهناك مليونيرات كثر يتهربون من الضرائب، ويقررون علنا رفض أى إضافات جديدة.
لكن المليونيرات الوطنيين هم الأعلى صوتا، وأكثر تأثيرا فى الرأى العام لأن خطابهم يتلاقى مع احتياجات المجتمع، ويضيف إلى سمعتهم بريقًا فى الأسواق. كما أنه يمثل طرحا مختلفا غير متوقع أن يصدر من رأسماليين يعيشون لتضخيم ثرواتهم لا تقليلها.
وفى ظنى، فإن مثل هذه الأصوات الصادرة من مجتمعات رأسمالية بحتة دليل على أن الرأسمالية تُصحح نفسها بنفسها، وأن الليبرالية تتجدد كل يوم، لتتلاقى مع العدالة الاجتماعية فى نواحٍ عدة.
والله أعلم.