بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

عن التحرش.. الوحل الذى نخوض فيه

 

السكوت ليس ذهباً، ولا فضة، بل هو خردة معدن متهالكة. التجاهل ليس حلاً، والإنكار ليس إفلاتاً من الكارثة، فعُقدة العار تلفنا جميعا، مثقفين وعامة.

مذ امتدت يدٌ فى الزحام لتعبث بجسد ما، أو نثرت شفتان عبارات نابية لتفتك بروح إنسانية، أو اختصرت فكرة الرجل عن المرأة فى كونها أداة مُتعة، ونحن نخوض فى الوحل المجتمعى حتى الأعناق.

لا ينبغى أن نتجاهل انحطاط الأخلاق فى بلادنا، لا يجب أن نُنكر تفشى ظاهرة التحرش الجنسي، مُتخيلين أننا أطيب شعب، وأنبل ناس، وأحسن مجتمع.

ما جرى فى مصر فى العقود الخمسة الأخيرة كفيل بتجريف الأخلاق، مثلما حدث من تجريف مع كثير من مقومات الحضارة والتمدن.

فى اعتقادى فإن بدونة مصر بدأت مع موجات المد الدينى الظاهري. سافر المصريون فى السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات إلى بلاد النفط والصحراء بحثا عن الرزق، فعادوا برؤى البداوة والتدين الظاهرى لتتغلغل فى المُجتمع، بدعم وبسذاجة وبصهينة الدولة وأجهزتها. ورويدا تشوهت كثير من القيم، وسقط المجتمع وراء الوراء سابحاً فى لجاج النظرة المُخيفة للمرأة باعتبارها كلاً زائداً، أو زينة اجتماعية، أو جسداً ممتعاً ولا شىء آخر.

لقد عصفت موجات التدين الكاذب بالبلاد عقوداً وعقوداً، واستبشر مفكرون ومثقفون ورجال دين بعصر الصحوة الإسلامية، وبانتشار الحجاب، وإطلاق اللحى، لكن أحدا لم يعِ أن تلك الصحوة كذبة، وزيف، فى ظل انهيار الأخلاق.

طالت اللحى واستطال الكذب. اتسعت المساجد، وضاقت الصدور. عُلقت الآيات القرآنية فى المكاتب والمركبات، وعمت الرشوة والمحسوبية كافة الأروقة. نبت زبيب الصلاة فوق الجباه، ونعست الضمائر فى القلوب.

وفى ظل الاحتشام الزائف، والشعارات الملتصقة على الجدران ووسائل النقل العامة بأن «الحجاب فريضة إنسانية» وبضرورة «الحجاب قبل الحساب»، لم يعد غريبا أن يتوغل الفكر البدوى القائل بمسئولية الأنثى عن نظرات الجوع وأفعال القرف الذكوري، فعرفنا جرائم الاغتصاب، هتك العرض، والتحرش باللفظ والأيدي. وهكذا سمعنا داعية شهير (يقدم نفسه فى كافة الفضائيات باعتباره داعية دين وهداية ورشد) يعتبر التحرش مسئولية الفتاة التى لا ترتدى الحجاب.

مثله يخرج نصابون كُثر بلحى كثة وزبيب لافت يُكررون تحميل الضحية مسئولية ظلم الجناة، وانحطاطهم. يتناسون أن مصر فى الخمسينيات وما قبلها لم تعرف ظاهرة الحجاب، ولم تعرف تحرشا أو قرفا. يتجاهلون أن النساء فى كثير من بلدان العالم غير متحجبات أو محتشمات لكنهن لا يتعرضن لنصف ما تتعرض له نساؤنا.

التحرش دنو إنسانى غير مبرر يناقض الحضارة، المدنية، الأخلاق. والمتحرش إنسان مشوه النفس، يعانى من خلل شخصي، لا يمنعه مانع أن يتحرش بأى امرأة حتى لو كانت منتقبة، فالجميع لديه سواء.

والفهم المغلوط للدين، والمستورد من الصحراء، والعائد إلينا مع المصريين الشغيلة هو أحد الأسباب الرئيسية لنمو هذه الظاهرة. لو كان المجتمع يرى فى المرأة كائنا حرا، لو كانت متساوية الحقوق والواجبات، لو كانت شريكة حقيقية، وليست مجرد وسيلة متعة أو أداة خدمة، لو لم يسوق السلفيون الوهابيون نظرتهم للمرأة باعتبارها نظرة الإسلام، لما عانينا هذا الوحل المجتمعي.

والله أعلم.

 

[email protected]