أعداء «الداخل» فى الإعلام!
الإعلام ناقل للثقافة، والسياسة بلا ثقافة مجرد سلطة، وفى مصر وسائل إعلامية لكن بلا إعلام.. الإعلام فى قلب أمريكا وأوروبا والصين واليابان مكون رئيسى من مكونات الأمن القومى لهذه الكيانات وبمثابة القوة الأبرز بالخطوط الأمامية لأى فعل استراتيجى.. كل ما يمكن أن نطلق عليه تجاوزاً إعلاماً مصرياً «عاماً وخاصاً» هو عبء على الأمن القومى المصرى وخصم من رصيد الشخصية المصرية التى تشكلت سماتها فى أزمنة الكلمة التى كانت تنتقل من الفم للأذن مباشرة، ثم كانت الكلمة المكتوبة والمنقوشة على جدران الطبيعة.
وبقدر الاشمئزاز الذى يأتينا من أبواق إعلامية هربت من مصر لتعلن الحرب عليها وعلينا من خارج الحدود بضمائر مسبقة الدفع، بقدر يقينى أن مرتزقة الخارج أقل خطراً على مصر وأمنها ووجودها ومستقبلها من «بهاليل» إعلام الداخل.. مرتزقة إعلام الخارج أفصحوا عن دورهم وخلعوا كل ما يستر الأجساد والضمائر.. دعونا نسلم بأن تجارة الإعلام أخطر على الأمم من تجارة المخدرات، والإعلام الخاص فى مصر جزء من «بيزنس» رجال أعمال وهذا ليس عيباً فى ذاته، لكن المرض الخبيث عندما يكون بعض مجتمع رجال الأعمال أصحاب المشاريع الإعلامية هم من أبناء الرعيل الأول لزمن انفتاح السبعينيات– زمن التجارة بكل شىء حتى التاريخ، والبعض الآخر أبناء الحقبة المباركية بكل ما شهدته من تجارة وصفقات حصرت الثروة بيد المحظيين داخل دائرة النظام.. وهناك من أقاموا مؤسسات إعلامية انتقاماً من حقبة تاريخية مضت وباتت فصلاً من فصول التاريخ.. ولون آخر من البيزنس الإعلامى ظل هدفه حتى اللحظة تفكيك الشخصية المصرية وتحطيم جبيرة الزمن المتراكم للوصول إلى منطقة العضم لتكسيرها ثم صهرها وإعادة تشكيلها حسب ذوق عصر التجارة.
وهذا الفصيل هو أخطر الجميع لأنه بقصد أو بلا قصد يعمل لصالح مشروع إضعاف مصر إلى حد التفكيك.. أخطر أعداء الدولة المصرية والرئيس السيسى شخصياً بكل ما يحمل من آمال عريضة لهذا البلد هو الإعلام المصاب بفقر دم ثقافى حاد.. أتذكر بهذه المناسبة الآن جملة بليغة للزعيم الوطنى سعد زغلول من آخر خطبة جماهيرية له بحى شبرا قبل وفاته عام 1927 حين قال (يعز على أن أرى منبر الخطابة منصوباً ولا أستطيع له رقياً، وأن أجد مجال القول واسعاً ولا أجد له لساناً فتياً). ونقلاً عن الأستاذ محمد حسنين هيكل يقول «الثقافة هى الظهير الحقيقى للسياسة، ومصر بطبيعتها موصولة بالعالم، وإذا لم نكن جزءاً من الحركة الثقافية والفكرية فى هذا العالم– فمعنى ذلك أننا نقف محلك سر».
خلاصة القول إن مصر محاطة بهلال مخاطر يخنقها أكثر مما يضىء لها، والإعلام البليد الجاهل يزيد الفضاء عتمة، ويرفع الرخيص، ويخسف بالغالى من الأشياء والناس، ويعرى الأوطان أمام خصومها ويقتل البسطاء- وهم الغالبية فى مصر– بجرعات زائدة من التجهيل والتسطيح وسموم التمييز.. هل يعقل أن بلداً بحجم مصر خلا تماماً من الكتاب والعلماء والأدباء والشعراء وكبار الرسامين والموسيقيين وعتاة الساسة– هل من العقل أن يترك حجم العمل والبناء الذى نشهده فى مصر الآن لكى يعبر عنه أنصاف متعلمين لا يجيدون إلا التنطع والادعاء الكاذب ومنافقة كل زمان ومكان.. إننى أدعو فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى أن يدرس مع فريق من العلماء والمتخصصين سؤالاً واحداً «هل من الممكن أن تنجح تجربة وطن كبير فى ظل إعلام صغير.. سيادة الرئيس– ليس كل أعداء الوطن خارجه– الإعلام الساذج والسطحى والأبله مثل حقول الألغام التى لا تطرح إلا الموت.. الانتماء الحقيقى للوطن يحتاج لأجيال تعرف من هم كتابها ومبدعيها وكبار ساستها وفنانيها وعلماؤها.. يعرفون الكثير عن تاريخهم وفنونهم.. أجيال تصدق أن مجدى يعقوب وزويل ونجيب محفوظ أهم من محمد رمضان ورامز جلال وحسن شاكوش، وأن نائب بالبرلمان يمارس البلطجة ليل نهار من سنوات بإمكانه أن يفقد أى نظام مصداقية وجوده..