بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

فتنة روبير الفارس

التاريخ نوعان مباشر وغير مباشر. والأدب تحديدا يُمكن أن يمثل تاريخا غير مباشر يُركز على المجتمع بتبدلاته وتحولاته والأحداث العظمى. وهناك قضايا لم يتناولها المؤرخون، والمولعون دوما برصد التاريخ السياسي، دون الاجتماعي، لذا فإن إطلال الأدب من رواية وقصة ومسرح وشعر عليها يرسم لنا سمات معرفة ممتزجة بمتعة لغوية وفنية.

وهذا ما تُتحفنا به رواية «لعبة الضلال» للروائى النابه المنتمى لجيل الوسط روبير الفارس، والتى تغوص فى قراءة عميقة وجريئة لقضية الفتنة الطائفية، وتُعيد قراءتها بعين ثاقبة مُطلعة تُراعى البعد السياسي، والبعد المجتمعى دون أن تُدين طرفا، أو تعلق المشكلة على شماعة المؤامرة الخارجية للصهيونية العالمية.

غريب شخص مجهول أقرب لمجذوب لا يعرف أحد من أين جاء، يكاد لا يعى ما حوله، ويجده المقدس جمال الغنام، لينقذه من مشكلة مجتمعية عويصة تتمثل فى حمل ابنته من خطيبها، الذى يموت فى حادث مفاجئ. يعتنى التاجر بالغريب ويزوجه ابنته إنقاذا لسمعة العائلة وتكتما على الفضيحة، وبعد سنوات طويلة يظهر أهل المجذوب الحقيقيون بعد أن يموت ومنهم أمير جماعة إسلامية فى الصعيد، ويسعون إلى المطالبة بابن غريب المسيحي، لكنهم يفاجئون أنه صار أحد نشطاء أقباط المهجر. وتتضافر صراعات المشهد المعتاد بين إسلاميين متطرفين، ومسيحيين متعصبين، لتنفتح نوافذ إرهاصات عجيبة تلعب السياسة دورًا فى تنميتها تارة، وفى تسكينها تارة أخرى.

وتتوالد مشاهدات عجيبة لما يتجاوز الصراع بين المسلمين والمسيحيين، إلى الصراع المسيحى المسيحي، مع إطلالات عميقة على مجتمع الأقباط، بكل ما يعتمل فيه من تصورات ومشاعر وأفكار ورؤى وسياسات واتجاهات.

ويتمثل جمال الرواية فى كونها كاشفة لما هو غائب عنا، وهو المجتمع المصرى المسيحى من داخله، والذى بدا مُنغلقًا خلال العقود الخمس الأخيرة، ومنزويا، وسلبيا فى مشاركاته وتواجده وانفعاله كرد فعل طبيعى لصعود الإسلاميين مجتمعيا قبل سياسيا فى مصر. فمنذ أن أطلق الرئيس السادات عبارته الشهيرة «أنا رئيس مسلم لدولة إسلامية» وهناك ترجمة غير عادلة للعبارة على مستوى المجتمع، الذى لا يعترف بمبدأ المواطنة إلا قليلا.

رواية «لعبة الضلال» الصادرة عن دار روافد للنشر، مثلت خروجا عن الخط المعتاد للنصوص الأدبية للروائيين المسيحيين، إذ لم تندفع فى القراءة الدعوية لفصيل الأقباط وتصوير بعض مشاهد الفتنة الطائفية باعتبارها تغول للأكثرية ضد الأقلية، وإنما سعت إلى التقاط صورة واقعية لما يدور فى الشوارع الخلفية للمشكلة بعيدًا عن التهوين والتهويل.

ينغمس روبير الفارس فى جراح متقيحة، ينكشها، ويُعيد فتحها دون تردد أو مجاملة، فهدف الفن هو البوح، وطرح الأسئلة، وفتح نوافذ المعرفة لا التطبيل ولا النواح. يطرح فى نصوص أخرى خلفيات ما يحدث بين الأقباط، ليقدم لنا لأول مرة نصوصا جريئة حول الصراعات الدينية داخل الكنيسة نفسها، مثل روايته «صلاة القتلة»، والتى ربما تثير حنق أجنحة ما فى المؤسسة الدينية المسيحية، تحت تصور طرح خصوصيات الأقباط للعلن.

لكن فى تصورى فإن الأقباط مواطنون مصريون وقضاياهم هى بالضرورة قضايا مصرية خالصة، وطرحها وتسجيلها وتأريخها ضرورة لازمة.

كما أن رسم هذه القضايا من خلال الأدب، خاصة لو كانت اللغة رشيقة، والبناء متوازن مثلما هو الحال فى أعمال روبير الفارس، فإن ذلك لا شك عمل يستحق التحية، والتقدير.

والله أعلم.

mailto:[email protected]