موسم الهجرة للجنوب
للأمم مثل ما للطيور مواسم هجرات تاريخية تقيم خلالها علاقات عابرة للزمان والمكان، ومصر فى فترات كثيرة من تاريخها ظلت مشدودة للشمال متأثرة بما يحدث على الشاطىء الآخر من البحر.. وفى حقب أخرى اتجهت شرقا عائدة بالحرير والعطور ومرات جاءها الشرق غازيا حينا أو حاملا لبشارة السماء حينا آخر.. موسم الهجرة الوحيد للجنوب كان موسما ناصريا نقل مصر الى قلب إفريقيا وعقلها.. مكاننا على الخريطة قدر الطبيعة، وحركتنا فوقها صناعة للتاريخ.. العودة لقلب وعقل القارة السمراء أشبه باستعادة قصة حب تنكر لها أبطالها.. هذه القارة فى التقدير الاسترتيجى العالمى للقوى الكبرى احتياطى استراتيجى للنهب وقت الحاجة وللقتل وقت اللزوم وللاحتلال وقت اليأس.. الكل اتجه جنوبا خلال الخمسة عقود الماضية وعين الجميع على عوائد الأرض والمياه، فى حين اتجهت مصر شرقًا وعينها على فوائض ثروات طفحت وفاضت هناك على أثر حروب اشتعلت ودماء سالت هنا..
ماذا حدث فى إفريقيا ولإفريقيا ؟ هناك أرقام مفزعة تتعلق بملف المياه، وهى مفزعة لأنها ليست مجرد أرقام صماء، وإنما بتأثيراتها تحولت لجروح ودمامل وحروب.. فى الجزء الثانى من كتاب الدكتور ألبرت آل جور أستاذ البيئة ونائب الرئيس الأمريكى الأسبق بيل كلينتون « المستقبل.. ستة محركات للتغيير العالمى « والصادر عام 2013 يبدأ بمصر قائلا : مصر تخسر الآن بشكل لا يمكن تصوره 3.5 فدان من الأراضى الزراعية الخصبة فى دلتا النيل كل ساعة.. وتنبأ الكتاب بحدوث نزاع بين مصر وأثيوبيا بسبب المياه ويورد حرفيا : سوف تتصاعد احتمالات النزاع فيما بين دول حوض النيل، ومصر الدولة الأكثر اعتمادًا على النهر، غير أن أثيوبيا التى ينبع منها 85% من مياه النهر سوف يتضاعف عدد سكانها بحلول عام 2050، كذلك عدد سكان السودان سيزيد خلال نفس الفترة بنسبة 85%.. هذا الكلام نعيشه الآن كحقائق نتعامل معها فى ظل أزمة سد النهضة.. تقول احصائيات الأمم المتحدة ( منظمة الفاو ) أن ثلث الأراضى الصالحة للزراعة وغير المزروعة فى العالم توجد فى إفريقيا وتحت سيطرة حكوماتها.. هذه الحقيقة أغرت دول مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية والسعودية إلى جانب شركات عابرة للقارات على شراء مساحات كبيرة من الأراضى فى دول إفريقية لإنتاج القمح ومحاصيل أخرى لسد احتياجاتها وبيع الفائض، والوجه الآخر للاستحواذ على مساحات شاسعة أنه بالأساس استحواذ على مياه.
وبتحديد أكثر فإن المستثمرين اشتروا ثلث الأراضى فى ليبيريا، ووفق تحليل أجرته مجموعة « مبادرة الموارد والحقوق « وهى تحالف دولى من منظمات غير حكومية مقره واشنطن فإن جمهورية الكونغو الديمقراطية ابرمت اتفاقيات مع ملاك أجانب سلمتهم 48.5% من أراضيها الزراعية.
بالنسبة لأثيوبيا وحسب الجارديان البريطانية فقد تسلم الأجانب 8.2% من الأراضى الأثيوبية الصالحة للزراعة وأن الصفقات بين الأجانب والحكومة الأثيوبية تتم سرا ويفاجأ المزارعون من المواطنين بأساطيل من الجرارات الزراعية تطردهم من أراضيهم.. تقارير البنك الدولى مابين عامى 2008 – 2009 تؤكد أن شركات وحكومات أجنبية اشترت مايقرب من 80 مليون هكتار من الأراضى الزراعية بدول إفريقية – أى مايقارب مساحة دولة مثل باكستان.. هذه المتغيرات تحتاج لدبلوماسية مصرية جبارة تقيم وترسخ لمصر فى كل بلد موطىء قدم ومصالح مؤثرة تتنافس وتتكامل مع مصالح الآخرين أفارقة وأجانب.. دبلوماسية تؤسس لتاريخ جديد يحترم قوانين وحقائق الجغرافيا ويقر بإفريقية مصر رغم هواها المشرقى.. دبلوماسية مياه تحفظ وتعظم حقوق مصر المائية لقرون قادمة.. دبلوماسية تخترق الغابات ومنابع الأنهار وتقيم كل يوم جسرا جديدا نعبره لمستقبل أفضل.. لقد حانت مواسم الهجرة للجنوب بكل خبرات التعلق بالشمال والهيام بالشرق..
( الاحصائيات والأرقام بالمقال مستقاة من نفس المصدر المشار – كتاب آل جور )..