بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

عقدة الغراب التركى

 

 

 

 

«ليس أكثر من تركيا نقيضاً تاريخياً وحضارياً لمصر.. الأتراك قوة شيطانية مترحلة واتخذت لنفسها من الأناضول وطناً بالتبنى.. تركيا بلد بلا حضارة، بل كانت طفيلية حضارية استعارت حتى كتابتها من العرب، ولكن الأهم من ذلك أنها تمثل قمة الضياع الحضارى والجغرافى، غيرت جلدها وكيانها أكثر من مرة: الشكل العربى استعارته ثم بدلته بالشكل اللاتينى، والمظهر الحضارى الآسيوى نبذته وادعت الوجهة الأوروبية. إنها بين الدول بلا تحامل تذكر بالغراب يقلد مشية الطاووس، وهى فى كل أولئك النقيض المباشر لمصر ذات التاريخ العريق».. (من موسوعة شخصية مصر للعبقرى الدكتور جمال حمدان)..

تجاهل الدور التركى إقليمياً يعتبر جهلاً بالواقع، وتجاهل تاريخ وثقافة الأتراك وما تبقى منها مؤثراً فى العقلية التركية المعاصرة يعتبر امتهاناً للعقل وإهداراً لما يجب أن يكون لدينا من أسلحة المواجهة لخطر يقترب ويهدد. دراسة تفاصيل العقلية السياسية التركية المعاصرة يحتاج إلى أن نعيد قراءة التاريخ ونتأمل حقيقة ما حدث يوماً ما. فى كتابه «القسطنطينية» يقول المؤرخ الإنجليزى الشهير فيليب مانسيل «انتقل الأتراك العثمانيون إلى أوروبا لأول مرة عام 1352م للعمل كمرتزقة للإمبراطور يوحنا كانتاكوزينوس فى الحرب الأهلية البيزنطية، وبعد سقوط القسطنطينية بأيدى المرتزقة الأتراك عام 1452 أمر السلطان العثمانى باستعباد ثلاثين ألف مسيحى، وأعمل السيف فى آلاف آخرين.. السلطان الغازى سليم الأول مصدر فخر الأتراك أعلن الحرب على أبيه بايزيد عندما علم أنه قد أوصى بالعرش لابنه أحمد وليس له.. استعان بالانكشارية والمرتزقة فى الثورة على أبيه وأخيه وتولى حكم السلطنة بعد وفاة أبيه يوم 26 مايو 1512 م، ومما يظهر الطبيعة الشاذة والمعقدة والوحشية للجنس العثمانلى أن سليم الأول هذا بمجرد توليه العرش قتل إخوته وأولادهم جميعاً حتى لا ينازعه أحد فى الحكم.

ذكر هذه الحوادث فى كل المراجع التاريخية الغربية والعربية التى تعرضت للتاريخ العثمانى (عثمان فى اللغة العربية كاسم يعنى الحية أو فرخ الحية– أى الثعبان الصغير) واستذكارها اليوم فى ظل الهمجية السياسية التركية ليس بهدف التشهير، أو التعامل بنوع من الشوفينية تجاه جنس معين، ولكن تفسير السلوك السياسى لبلد ما لا يمكن أن نفصله عن تاريخه، خاصة أن تركيا ككيان سياسى عمره لا يتجاوز حتى اليوم ستة قرون (1452– 2020).. عقدة تركيا الحديثة تجاه مصر تعود إلى تاريخ قريب لقنت فيه الدولة المصرية الحديثة مرتزقة الجيش التركى دروساً قاسية.. فى 21 ديسمبر 1832، سحق الجيش المصرى بقيادة إبراهيم باشا القوات التركية على مشارف مدينة قونيه التركية «جنوب الأناضول» وألحق المصريون بالعثمانيين تحت راية قائدهم رشيد محمد خوجة باشا هزيمة مروعة، وكانت قوات إبراهيم باشا على أبواب الآستانة عاصمة الدولة العثمانية.

كان محمد على مؤسس مصر الحديثة يرى أن مصر أكبر من أن تكون ولاية عثمانية، وأن على «آل عثمان» أن يعرفوا حجمهم ويدركوا أن لصوص الصحارى ليس لهم مقارعة بلد علم الدنيا البناء والسلام واعتبره أعظم مؤرخى الدنيا أنه البلد الذى بزغ به فجر الضمير الإنسانى..

إذن لدى الأتراك عقد تاريخية من مصر التى حطمت ما تبقى لهم من أمل فى بقاء دولة الخلافة التى قامت على النهب بسحق جيش المرتزقة التركى عام 1832 فى موقعة قونيه الشهيرة التى كانت مقدمة أدت لانهيار دولة الخلافة المريضة بكل سرطانات الغدر والكذب عام 1922، وبعد 181 سنة وتحديداً فى 30 يونيه 2013 حطمت مصر وبرجال جيشها حلم أحد أحفاد قطاع الطرق الذى يحكم تركيا اليوم.. إسقاط الحكم الإخوانى فى مصر كان صفعة لحكام تركيا المعاصرة الذين وجدوا فى جماعة الإخوان الشيطانية شبيهاً لخاير بك الجركسى «خاين بك» الذى كافأه سليم الأول على خيانته للسلطان الغورى ولطومان باى– بأن نصبه كأول والى لمصر تحت الحكم العثمانى، أما المصريون فلقبوه بخاين بك.

ربما حلم أردوغان باللحظة التى يأتى فيها لمصر الإخوانية ويستقبله خراف الجماعة كسلطان متوج، ويذهبون به إلى باب زويلة ليقول من غير أن يتكلم– ها أنا قد عدت يا عثمان– وإذا كانت جينات الحضارة المصرية القديمة التى يزيد عمرها على خمسة آلاف سنة بقى منها ما بقى فى جوهر الشخصية المصرية– فإن همجية وجلافة التاريخ التركى لهما ما لهما من تأثير فى عقلية الحكام المعاصرين لهذا البلد الذى تشكل من بقايا قبائل بوسط آسيا عاشت عمرها على النهب، وكتبت تاريخها بعرق الغلمان والتجارة بالشرف وغلاظة الطباع وانعدام المروءة واستجداء النسب.