بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

على فكرة

صمت محسن إبراهيم الأخير

 

 

فيما عدا التعليق الذى كتبه الصديق د. وحيد عبد المجيد فى زاويته اليومية «اجتهادات «فى صحيفة الإهرام، لم تهتم الصحافة المصرية ، بخبر رحيل «محسن إبراهيم « أحد رموز قادة حركة القوميين العرب ، والمناضل العروبى والقومى واليسارى البارز الذى توفى  فى لبنان  قبل ايام عن عمر ناهز  85 عاما . وكانت شخصية «إبراهيم « ودوره فى الحياة السياسية العربية  من لبنان إلى مصر و ومن الأردن إلى اليمن الجنوبى والجزائر، وعلاقته المميزة بجمال عبد الناصر وياسر عرفات وكمال جنبلات  وجورج حاوى، مثارا  لجدل دائم، داخل لبنان وخارجه ،على مدار نحو  خمسين عاما ،حتى اعتزاله للعمل السياسى مع بدايات الألفية الجديدة .

كان محسن إبراهيم أحد القادة المؤسسين  لحركة القوميين العرب ،التى تشكلت مع إنشاء دولة إسرائيل، ورفضت قرار التقسيم وحركات الاستيطان، واتخذت موقفا معاديا من الشيوعية على ضوء تأييد الاتحاد السوفيتى لهذا القرار، وبنت خطابها السياسى على استرداد كامل التراب الفلسطينى، والثأر من جميع يهود العالم ،الذى أصبح الصراع معهم صراع وجود لاحدود ، لهذا كان»  الثأر» هو اسم النشرة الأسبوعية  التى أصدرتها الحركة فى بداياتها  وحملت شعار: وحدة .. تحرر.. ثأر، التى بشرت بأن الطريق للتحرر من الاستعمار الغربى  والإسرائيلى يبدأ بوحدة الأمة العربية .

ومع قيام الوحدة بين مصر وسوريا ، تطور الخطاب السياسى للحركة، ولعب محسن إبراهيم دورا فى توثيق علاقتها بنظام عبد الناصر، ، بعدما كان قد أصدر قرارًا بفتح الجامعات المصرية أمام عدد من الطلبة المنتسبين لحركة القوميين العرب، بعد فصلهم من الجامعة الأمريكية فى بيروت، بسبب نشاطهم السياسى المعادى لإسرائيل   وللأحلاف العسكرية مع الغرب . ساهم هذا التقارب فى التغير  الفكرى الذى طرأ على  مفاهيم حركة القوميين العرب، و تجلى فى ربط  خطابها وحركتها  بين الأفكار العروبية  والفكر  الاشتراكى ، والتحليل الاجتماعى الذى يستند إلى مفاهيم الصراع الطبقى ،لاسيما بعد صدور ميثاق العمل الوطنى فى مصر، الذى عزز هذا التغير فى أدبياتها . كما ساهم كذلك فى إنشاء فرع مصرى للحركة فى القاهرة، تولى رئاسته  آنذاك المحامى»سمير حمزة» حتى تم الاتفاق بين «عبد الناصر» و»إبراهيم «على حل هذا الفرع، وضمه إلى منظمة الشباب، الذى كان الدكتور حسين كامل بهاء الدين أمينها العام، وتولى حمزة طبقا لهذا الاتفاق موقع نائب الأمين العام  للمنظمة ، حتى دب صراع الأجنحة  داخلها ، واتهم سمير حمزة بالتطرف اليسارى وتم اعتقاله عام 1968.

 وفى يناير 1960 أصدرت حركة القوميين العرب العدد الأول من مجلة « الحرية «  الأسبوعية الناطقة باسمها ، ورأس تحريرها «محسن إبراهيم « وبدا الدفاع عن التجربة الناصرية خطا واضحا فى توجهها ، ثم تطور ذلك إلى نقد لها فى سياق التحالف معها . ولعبت هزيمة يونيو 1967 دور رئيسيا  فى تعزيز هذا النقد من جانب ، وفى تفكيك الحركة من جانب آخر  كتنظيم موحد، بعد تفشى الانقسامات التى حدثت داخل صفوفها  ، فانشقت الجبهة  الديموقراطية عن  الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، ولتصبح المجلة فيما بعد ناطقة باسم الجبهة الديموقراطية بقيادة نايف حواتمة .

برحيل «محسن إبراهيم» تطوى صفحة من تاريخ حركة التحرر الوطنى العربية لم تكشف بعد كل تفاصيلها ، فقد صمت قبل الرحيل الأخير بسنوات. وكان قبل رحيله قد اعتزل العمل العام منذ أكثر من عشرين عاما  ، بعد أن اختلط الحابل بالنابل ، وتغيرت موازين القوى فى المنطقة لصالح أعدائها ، وعم الخراب من بيروت إلى دمشق ، ومن بغداد إلى فلسطين ومن صنعاء إلى طرابلس ، وسقط أمام عينه حلمه ببناء اشتراكية ومجتمع العدالة الاجتماعية ، وتشرذمت الأمة التى بشر بوحدتها ، وصار الخلاف بين أطرافها ، أكبر من الخلاف بينها وبين خصومها ، وأمسى وطنه حلبة للصراع بين الطوائف ، فأغمض عينيه وصمت الصمت الأخير ورحل .