فقرة الساحر
فجأة سقط «دكتور فوتشى» بنظارته المقعرة من على شاشات التلفاز إلى غياهب الجب وتوارت معه أخبار جائحة كورونا بعد أن استنفدت الغرض منها، وأصبح التباعد الاجتماعى فى خبر كان، واختلط الحابل بالنابل، ولم يعد أحد مهتمًا بارتداء الأقنعة سوى لصوص «منظمة أنتيفا» وهم ينهبون المتاجر الفاخرة بعد أن عمت الفوضى البلاد إثر مقتل جورج فلويد المواطن الأسود بعد وضع ديريك تشوفين الشرطى الأبيض ركبتيه بوحشية على رقبته وهو يتوسل إليه «لا أستطيع التنفس» لينفجر بركان غضب السود تجاه ميراث العنصرية المؤسسية، لا سيما بعد تكرار قتل الشرطة لمواطنين سود، فقد قتل مايكل براون فى فيرجسون، وإيريك جارنر فى نيويورك، وغيرهما من الحوادث خلقت حراك «Black Lives Matter» الذى عكس كل هذا الغضب والإحباط من غياب العدالة الجنائية والاجتماعية بسبب سياسات التمييز.
يبدو أن المكتب الاستشارى الذى صمم كتالوج ثورات الربيع العربى وهو الذى أخرج «ربيع فلويد» نفس السيناريو الممل دون أى إبداع إشعال شرارة حادث مفعم بالتراجيديا الإغريقية ثم تسخين متصاعد من شبكات التواصل الاجتماعى لشريحة الشباب والمهمشين تنتج حراكًا ضخمًا يتحول إلى فوضى وانفلات أمنى محفز للسلب والنهب يطال الممتلكات والأفراد وسلسلة مطالب متصاعدة لا سقف لها تفضى إلى فراغ سياسى ودستورى.
لم يفوت جو بايدن فرصة الانقضاض على ترامب وضربه بعنف تحت الحزام قبل خمسة أشهر من الانتخابات المصيرية ووقف يخطب بحماس أمام قادة الأفارقة الأمريكيين مدين نية ترامب استخدام الجيش ضد المتظاهرين وتعهد خلال 100 يوم الأولى من حكمه أن يتعامل مع العنصرية الممنهجة بحزم وإعادة تأهيل الشرطة، ترتكز استراتيجية الديمقراطيين الذين يعانون موت سريرى غير معلن على تلطيخ صورة ترامب ووصمه بالعنصرية بالضغط بورقة الأقليات والظلم العرقى وبالفعل تقدم بايدن فى استطلاعات الرأى 10 نقاط كاملة وأفقد ترامب تأييد فئات كبار السن والنساء والسود.
يدرك ترامب أنها رقصته الأخيرة إما المجد أو قضاء شيخوخته خلف القضبان فلن تتركه الدولة العميقة التى أمعن فى إهانتها خلال ولايته المضطربة، فهى خصمه الحقيقى وليس «جو النائم» وأنها تكن له العداء وتراه متمردًا وابنًا غير شرعى للنظام تخطى كل الخطوط الحمراء ويريد تغيير قواعد اللعبة وإرباك التوازنات لذا قررت إزاحته بشتى الطرق.
لم يستسلم ترامب لهذا المؤامرة وبدأ على الفور بفقرة الساحر مستغلاً خبرته كمقدم برامج شهير ووجه أصابع الاتهام إلى الحكام الديمقراطيين بعدم السيطرة على فوضى المظاهرات وحماية الممتلكات وتوفير الأمن للسكان وهدد بتفعيل قانون التمرد «Insurrection Act» الذى يعود إلى قرون بعيدة لاستعادة الهدوء وهذا منحه مظهر القوة والطاقة ورسالته الانتخابية واضحة أنا أو الفوضى فإذا أردتم مشاهد السرقة والحرائق إليكم «بايدن الضعيف» وإذا أردتم الازدهار والاستقرار فأنا «رئيس القانون والنظام» وارتفاع مؤشر داو جونز وانخفاض البطالة خير دليل وشكر نفسه قائلاً: «أحسنت يا ترامب» هو يعرف العزف على الوتر الحساس لدى الناخب الأبيض فجذب الساحر بخفة يد نسخة الكتاب المقدس من الجراب ليذكره أنه اختيار الرب.