ابن تيمية وبيل جيتس
ماذا لو عاد الدكتور طه حسين للحياة ساعة واحدة، يرانا فيها، ويرى كيف أصبحت ثقافتنا التى تطلع إليها وتمناها فى كتابه «مستقبل الثقافة فى مصر» عام 1937. سيصدم الرجل ويفقد بصره مرة ثانية للحالة التى سيرانا عليها، فبعد أكثر من ثمانية عقود على ما تمنى أن نكون عليه سيجدنا فى حالة سباق عكسى مع عجلة الزمن والعلم، وأننا فى حالة هروب شبه جماعى للماضى بحثاً بين عظام القبور عن مصباح زيت يهدينا إلى عصر الديجيتال.. العالم الذى يبحث عن مكان ومكانة له فى المستقبل بدأ فعلاً عصر ما بعد الإنترنت، أو ما بعد كورونا «عصر طريق المعلومات السريع». أستطيع القول إن عصر حروب المعلومات قد بدأ، وأن السلاح البيولوجى هو القوة النووية الفتاكة التى ستجعل المفاعلات النووية متاحف قديمة لأسلحة أكثر قدماً.
وحين نتأمل حالتنا الثقافية بعد قرن من بدايات التنوير تقريباً نرى خريطة مقبضة للنفس ومهلكة للعقل.. كتل الظلال الكبرى على الخريطة يمثلها مجتمع أصبح قديماً وسلفى التفكير، وحياة سياسية منذ ثورة يوليو 1952 نرى معها أنظمة تتبادل أثواب الحكم دون المساس بأصوله.. ولأن الأصول لا تعير التنوير والعلم وكرامة الإنسان اهتماماً يقترب من أولويات بقائها، فإن الطبيعى أن تتعاقب الأجيال وكأنها نسخ صماء يستنسخ بعضها من بعض..
العالم خارج فضائنا القديم مشغول كما قلت بعصر ما بعد الإنترنت الذى يسميه رئيس مايكروسوفت بيل جيتس «طريق المعلومات السريع» ونحن داخل فضاء قبورنا الفكرية مازال رهاننا على المستقبل نبحث عنه داخل كتب ابن تيمية، كشفت جائحة كورونا للكثير منا أنه لولا وجود الإنترنت فى حياتنا لكان 90% من العاملين بالقطاعات الحكومية والخاصة تعرضوا لمجاعة تضاف للجائحة.. مستقبل البشرية إذن يقترب من تخطى عصر الإنترنت لما بعده من عصور ستختفى معها مئات الآلاف من المهن والأعمال وتخلق بدلاً منها مهن وأعمال جديدة.. الفيصل هنا فى اللحاق بالمستقبل ليس فى اكتساب مهارات برامجية ورقمية جديدة لأن هذه المهارات هى الوسائل التى يتقنها الداعشى المتحجر والليبرالى المتحرر وما بينهما.. الطريق الذى ستنطلق منه وعليه هذه الوسائل هو طريق المعلومات السريع الذى يفرض حتمية تغير أنماط التفكير، وتفكيك كثير من البنى القديمة التى حنطناها بعقولنا لنتوهم صلاحيتها للحياة، يقول الدكتور طه حسين فى مؤلفه «مستقبل الثقافة فى مصر» مصوراً خطورة جمود الفكر الدينى خاصة بالأزهر الشريف «الشر كل الشر أن يتحدث رجل الدين إلى الناس فلا يفهمون عنه لأنه قديم وهم محدثون ولا ينبغى أن يغتر الأزهر لأن الناس يسمعون له الآن ويفهمون عنه بعض الشىء، فكثرة المصريين لاتزال متأثرة بعقلية القرون الوسطى».
وفى كتابه الرائع «المعلوماتية بعد الإنترنت» لبيل جيتس يقول متذكراً فترة صباه وشبابه فى ستينيات القرن الماضى «كنت أعلم أن هناك عصراً يسمى عصر الحديد، وآخر يسمى عصر البرونز، وهى فترات من التاريخ سميت باسم المواد الجديدة التى اعتاد البشر أن يصنعوا منها أدواتهم وأسلحتهم، ثم قرأت لأكاديميين يتنبأون بأن البلدان سوف تدخل فى صراع حول السيطرة على المعلومات، وليس على الموارد الطبيعية- ويضيف- عندما اخترع يوهان جوتنبرج وهو حداد من مدينة منيز الألمانية المطبعة عام 1450 احتاج إلى عامين ليجمع حروف الإنجيل على لوح الطباعة وأن أوروبا كلها قبل عصر المطبعة لم يكن بها سوى 30 ألف كتاب، وكلها كانت نسخ من الإنجيل وشروحاته وتفاسيره، وبحلول عام 1500 أصبح هناك أكثر من تسعة ملايين كتاب فى مختلف الموضوعات ما ترك أثره على الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية فى أوروبا».
أما عالم الفيزياء الأمريكى ميتشيو كاكو فيتساءل فى كتابه «رؤى مستقبليه قائلاً: إلى أين نتوجه بسرعة إذا كانت حقبة من العلم تنتهى الآن وحقبة أخرى على وشك البدء.. إلى أين سيقودنا هذا كله؟ هذا بالضبط ما يشغل علماء الفيزياء الذين يمسحون السماء بحثاً عن دلائل لحضارات غير أرضيه قد تكون أكثر تقدماً من حضارتنا كثيراً حيث يوجد 200 مليون نجم فى مجموعتنا الشمسية وتريليونات المجرات فى الفضاء الخارجى. هكذا يفكر العالم وينشغل على أبواب عصر معلوماتى جديد، وربما ثورة علمية جديدة، فى وقت ما زلنا فيه نستعطف عظام القبور أن تقينا شرور قادم الأيام.