سلالم
عندما تصبح الديون أفضل البدائل
لا ينبغى الفزع الشديد من ارتفاع الديون الحكومية محلية وخارجية. لا يجب أن ننظر للأمر على كونه هزيمة قاصمة للاقتصاد الوطنى. لا يحتمل الأمر تهويلا مبالغا.
صحيح أن مصر زودت طلبات ديونها الخارجية خلال العام الحالى - على غير المتوقع - بنحو 13 مليار دولار دفعة واحدة، وصحيح أن الديون الخارجية لمصر وصلت لأعلى مستوى يمكن أن تصل إليه إذ تجاوزت نحو 112 مليار دولار ومرشحة لتجاوز الـ125 مليار دولار بنهاية العام، لكن الصحيح أيضاً أنه لا بديل حسب تعبير الاقتصادى العالمى محمد العريان فى ظل جائحة كورونا وما تركته من انكماش شديد القسوة، سوى الاستدانة لحل مشكلات آنية قبل أن تتحول إلى مشكلات مزمنة يصعب مواجهتها فيما بعد أو يصبح حلها أكثر كلفة.
إن مشكلة الديون هى واحدة من أكبر المشكلات الاقتصادية التى يواجهها العالم اليوم، ولا شك أن كارثة «كوفيد-19» ساهمت فى تعميق تلك الأزمة ولكن ما دامت المشكلة عامة وعالمية، فإن فرص التعامل معها فى المستقبل ستكون أفضل.
وعلينا أن نتذكر أن مصر مرت بأزمة ديون قاسية فى بداية التسعينيات، وأن نادى باريس سبق وأسقط عن مصر أكثر من 50 مليار دولار دفعة واحدة تقديرا من المجتمع الدولى على مشاركة مصر فى حرب تحرير الكويت.
لقد حصلت مصر مؤخراً على 2.8 مليار دولار من صندوق النقد الدولى كمساعدات عاجلة لمواجهة تداعيات أزمة كورونا، ثُم قدمت طلبات إضافية للحصول على 5.2 مليار دولار أخرى من الصندوق فى إطار اتفاق جديد، فى الوقت الذى أصدرت فيه سندات دولية بقيمة ستة مليارات دولار، وتلك الأموال جميعا موجهة لتقليل الأضرار السلبية للوباء على الاقتصاد المصرى، ولولاها لعانى الاقتصاد ككل من تباطؤ شديد واضطرت الحكومة للاعتماد على احتياطى النقد الأجنبى لتدبير العملة الصعبة اللازمة لاستيراد المواد الأساسية.
يقول محمد معيط وزير المالية إن الاستدانة هى أفضل البدائل، وأنا أصدقه وأتفهم تماماً ما يمكن أن يحدث لو لم تسارع مصر إلى اللجوء لشركاء التنمية، والسكون تجاه الأزمة غير المسبوقة. فالاقتصاد المصرى يواجه وضعاً صعباً لا يمكن للأمانة تحميله لأداء فرد أو حكومة، وهو وضع شديد الشبه بما واجهت مصر فى الشهور الأولى لانتفاضة يناير 2011.
نحن بالطبع فى حاجة للفهم أولاً، قبل طرقعة الأصابع ومصمصة الشفاه والتحسر على الإصلاح الذى لم يتحقق والرخاء الذى لم يحدث، فواقع الأمر يقول إن إصلاحات مصر التى نفذتها فى بنية الاقتصاد خلال السنوات الأربع الأخيرة هى إصلاحات غير مسبوقة، وكانت نتائجها جيدة للغاية ولولاها لأشهرت مصر إفلاسها اليوم.
بالورقة والقلم فإن مصر واحدة من دول قلائل فى المنطقة لن تشهد نموا بالسالب هذا العام والعام التالى نتيجة «كوفيد-19»، وذلك وفق توقعات معظم المؤسسات الدولية وبيوت الخبرات الاقتصادية، والسبب فى ذلك أن ما تم اتخاذه من إجراءات سابقة قبل أن تكون كورونا فى الحسبان، كان أمراً جيداً.
ذلك الكلام مُهم للغاية ونحن نقرأ عناوين الصحف العالمية ونتابع ما جرى فى دول كبرى واقتصاديات عظيمة.
والله أعلم.