خارج السطر
مَن قتل فرج فودة؟
اليوم ذكرى رحيل فرج فودة غدرا برصاص حفنة جهلاء. أعدموه بلا محاكمة. لم يمنحوه فرصة دفاع، انتظروه أمام البيت وأطلقوا عليه رصاص النهاية. قالوا أنه كفر، وأن عقوبة الكافر المرتد هى القتل استنادا لحديث يتداولونه هو «من بدل دينه فاقتلوه».
لم يكن الاتهام جديدا فقد سبق وكال له خصومه من المفكرين إتهامات مشابهة لووا فيها أعناق كلامه ليحولوا هجومه على رجال الدين والمتحدثين باسمه إلى هجوم على الدين نفسه. اعتبرت المؤسسة الدينية السائدة الهجوم عليها وعلى أدائها ـ والمفترض أنه بشرى تماماـ هجوما على الإسلام نفسه.
ومَن يُطالع كُتب فرج فودة الإثنى عشر لا يجد كلمة واحدة إهانة لمقدس أو سخرية من قرآن أو تطاول على معتقد إسلامي، بل هو نقد يُركز على أفعال الناس وكلامهم، وهؤلاء الناس هم أعضاء الجماعات الإسلامية والمتربحين بالإسلام السلفى من كتاب ونشطاء. ومنهم القائمين على جريدة النور التى التحفت بصفة «الإسلامية» فادعت فى مقالات مفبركة أن الرجل يدير جمعية خاصة للزنى ويدعو للفجور، ما دفع المرحوم فرج فوده أن يرفع دعوى سب وقذف حكم له فيها.
كذلك فقد ساء دعاة الخطاب المتأسلم وعلى رأسهم الشيخ الغزالى ومحمد عمارة ومأمون الهضيبى أن يحاججهم الرجل بالعقل ويتحداهم المرة تلو المرة أن يُثبتوا أن هناك حكومة إسلامية ويطلب منهم أن ينزهوا الإسلام عن صراعات البشر، ففشلوا وحاروا ووصلت بهم خصومة الفكر أن يصدروا بعد إغتياله كتابا أعده عبد الغفار عزيز بعنوان « مَن قتل فرج فودة؟» انطوى على قراءة سطحية ساذجة انتهت إلى أن فرج فودة هو الذى قتل فرج فودة، وشجعته على الانتحار مجلة أكتوبر وجريدة الأحرار لنشرهما كتاباته. وكأننا بالمنطق ذاته نصوغ للقتلة فى كل عصر جريمتهم بدعوى أن فلان لو لم يفعل ما فعل أو لم يقل ما قال ما قتل.
ويمكن بقليل من الجهد أن نجلب كل أسماء الشهداء والصرعى فى التاريخ لنقول أنهم قتلوا أنفسهم بما قالوا وكأن على الإنسان مفكرا أو مثقفا أن يصمت تماما فى مواجهة القطيع حتى لا يقتل.
وحسبى أن تبقى فى ذاكرتى شهادة الشيخ الغزالى فى المحكمة بارتداد فرج فوده سقطة حياة العالم الأزهرى الذى لم تفارق عروقه جينات الإخوان رغم فراقه لهم بسنوات طويلة.
ما يؤلمنى ويوجعنى أن صفة الكفر مازالت ملتصقة باسم فرج فودة رغم كل ما جرى من من أحداث، وقد واجهت إدعاءات لمتعلمين كثر مازالوا يرددون أن الرجل أهان الإسلام وسخر من معتقداته، ولما كنت قد قرأت أغلب كتابات الرجل فقد تحديت أكثر من شخص أن يُخرج لى عبارة فيها كفر أو زندقة، لكن أحدا لم يكن يكلف نفسه عناء القراءة أو التدبر، وكانوا جميعا يُحيلون الأمر للقول بأن شيوخ الدين وعلى رأسهم الغزالى حكموا بارتداد الرجل.
ومثلما سُئل قاتل فرج فودة إن كان قرأ كتابا له فنفى وقال إن المشايخ فعلوا، فإن الناس فى بلادى مازالت ترضى بمن يقرأ لها ويفكر لها ويُقرر لها. دأبهم فى ذلك مثل مكذبى الرسل والأنبياء فى كل عصر إذ كانوا يرفضون أى تفكير عقلانى ويقولون إنهم يعبدون ما يعبد آبائهم. لكن القرآن يجيب على حجتهم بقوله تعالى «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) البقرة ـ آية 170.
والله أعلم.