خارج السطر
مسئولية الكاتب فى زمن الجائحة
الخوف لا يمنع من الموت، وإنما يمنع من الحياة مثلما يقول نجيب محفوظ. وكان بنيامين فرانكلين يقول للناس « إن أخوف ما أخاف عليكم هو الخوف نفسه»، فمع الخوف يتجمد التفكير، ومع الذعر يتذبذب السلوك، ويثقل قدرة الإنسان على اتخاذ إجراءات سليمة.
وإذا كان لكل امرئ ما سعى، وأن سعيه سوف يُرى، ثُم يجزاه الجزاء الأوفى، فإننى أرى السعى الأطيب هو السعى لفتح نوافذ الأمل وسحق أى مشاعر سلبية تُشيع فى الناس القلق والبلادة والاستسلام للمرض تحت لافتة أنه قادم قادم.
والكاتب والمثقف مسئول عن المشاركة فى المقاومة ورفع راية المواجهة، منذور لبث الروح الطيبة، مدفوع أن يُشارك فى التوعية والتحفيز ونشر وبعث التفاؤل وسيادته.
أن تكتب فيجب أن تعى أولا أثر كل حرف تخطه يمينك على الآخرين سواء فى الميديا التقليدية أو السوشيال ميديا والتى انقلبت إلى جدار موجع من الأسى والقلق.
أن تقول فأنت مسئول أمام ضميرك ألا تنشر شائعات أو تُكرر قصصا مأساوية أو تبث أحزانا فوق أحزان الناس.
أن تتكلم فيجب أن تحسب حساب ما تتفوه به من كلمات وما يمكن أن تصنعه تلك الكلمات فى متلقيها من تأثير.
أقول لكل كاتب: افتح صنابير الأمل. أغلق كافة نوافذ الهموم. بشّر ولا تنفر. ابتسم فى وجه العواصف، وارسم الاطمئنان، وثق أن أحدا لن يعش أكثر أو أقل مما كتبه الله له، واعلم أن إرادة الله هى الأعلى والأقدر على تفريج كروب وهموم يظنها البعض ألا تفرج.
لا تقف فى صف الجائحة.. قف فى الناحية الأخرى. ذكر بحرص وانصح بوعى ولا تُثر خوفا أو قنوطا.
أمر على السوشيال ميديا مرور الكرام. تُزعجنى الأشرطة السوداء، أستبعد لاءات الأمل، أحذف من قاموسى كلمات اليأس، والأسى، والقنوط. أكره إحصاءات الجثث، أستمسك بكل جُهد إنسانى يصُب فى صالح البشرية، أحلم مع الحالمين بوجه مُشرق وأخطط لحركة ما بعد الجائحة.
استدعى أشعار البهجة فأتذكر نصا جميلا لغادة السمان تقول فيه:
«سأغسل وجهى هذا الصباح عشرات المرات. سأبتسم ابتسامة مشرقة كالفجر الذى عرفتك فيه. سأتلو آيات التفاؤل وأردد أغنيات الفرح التى حفظتها عنك. سأخلع عنى سواد الأيام وحزن الماضى وأرقص على أنغام كلماتك العازفة بأوتار قلبى، ثم أرتشف قهوتى دون أن أضع فيها مزيدًا من السكر. فعذوبة الأمس تمنحنى أيما عذوبة، وفى زحام الطريق سأبحث عنك فى كل الوجوه، وكلما افتقدتك سأخرج صورتك من حنايا الفؤاد وأنظر إليها بشوق كبير. ولمّا يدركنى التعب أعود أدراجى إليك.. أتمدد قرب الغدير فوق بساط العشب اللامع متوسدة ذراعيك الدافقتين بالحنان، كطفل صغير يأوى نهاية المطاف إلى حضن أمه. استمع منك إلى حكايا النعناع واحتراق الشتاء فى المواقد».
والله أعلم.