بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

فضيلة العلم وفضيلة الشيخ

 

 

الربط بين النبى إدريس وتمثال أبوالهول وبناة الأهرامات قديم وسابق لما تحدث به فضيلة الدكتور على جمعة مفتى مصر السابق، وتحديداً للمسميات ودلالاتها، فإن الدكتور زاهى حواس –أحد أشهر علماء المصريات فى العالم– حين يتحدث عن أصل أبوالهول الحجر والفن والمعنى المقدس عند قدماء المصريين فهو يتريض فى ملعبه كعالم آثار يقول كلمة العلم ويلخص جهد مئات العلماء منذ ما يقارب الثلاثمائة عام عندما بدأت قوافلهم تتردد على مصر منذ بدايات القرن التاسع عشر.

أما فضيلة الدكتور على جمعة، شيخنا الجليل، فإن كلامه عن نفس الموضوع أشبه بمحاولة للسباحة فى حوض جاف وليست أكثر من تصورات أقرب لمواويل وحكايات الرواة التى هى الأخرى أقرب للأسطورة من الواقع.. علم المصريات يدرس كعلم مستقل فى أعرق جامعات الدنيا وهذا جيد لمصر الدولة والتاريخ الممتد بعمر البشرية – أما محاولة الخلط بين القصص الدينى والحقائق العلمية خاصة فيما يتعلق بتاريخ مصر القديم السابق لكل الأديان وآثاره الباقية، فهو أمر يضر بمصر الدولة والتاريخ .. ومع كل التقدير والاحترام لفضيلة الدكتور على جمعة، فقد كان حرياً به أن يرجع إلى علماء مصريين سقاة كتبوا وأفاضوا فى هذا الأمر من مطلع القرن العشرين عندما نشط البحث فى تاريخ مصر القديم فى أعقاب الحملة الفرنسية واكتشاف حجر رشيد وفك اسرار الكتابة المصرية القديمة.

ماذا يقول الدكتور عبدالعزيز صالح أستاذ تاريخ مصر والشرق القديم فى كتابه «حضارة مصر القديمة وآثارها : امتاز فن النحت فى عهد خفرع ( ما بين 2800 و2600 ق.م ) بأثر كبير آخر طغت شهرته على شهرة هرمه ومعبديه وهو أبوالهول، ولأبوالهول جسم أسد رابض ورأس انسان ناهض كما هو معروف، جمع الفنان بينهما فى انسجام عجيب، ونحت الفنان الرأس فيما يرجح حتى الآن على هيئة رأس فرعونه خفرع تزينه شارات الملك وهى عصابة رأس مخططة عريضة وحية حارسة تنهض على الجبين ولحية دقيقة طويلة مستعارة ترمز إلى التحاء الملوك الأقدمين (وسقطت الحية واللحية من موضعهما بمرور الزمن وظروف التعرية) .. وأول من ربط بين أبوالهول والقصص الدينى كان المقريزى الذى ذكره باسم «بالهيب».

وحكى أن شيخاً يدعى « صايم الدهر» أراد أن يشوه وجه أبوالهول باعتباره أثراً من آثار الوثنية الأولى فهبت على زروع الجيزة رياح عاتية، أتلفتها فظن صايم الدهر أنها كرامه من صاحب التمثال واضطر للعدول عن محاولته. ويقول عالم المصريات «حوربولون» الذى عاش مطلع القرن الخامس قبل الميلاد (من كتاب الدكتور سليم حسن – أبوالهول .. تاريخه فى ضوء الكشوف الحديثة) ان الأسود كانت تعد من سمات فيضان النهر، ذلك لأن النيل كان يشكو فيضه عندما تكون الشمس فى برج الأسد، كذلك كان المشرفون على الأعمال المقدسة فى القديم يصنعون الميازيب ونافورات المياه ومجاريها فى صورة أسود يخرج الماء من فمها وقد انتقل هذا المأثور المصرى إلى العالم كله .

والحقيقة أن قراءة متأنية فى متون الأهرام والتى عرض منها الكثير بنصها عالم المصريات جيمس هنرى بريستد فى كتابه الفريد «فجر الضمير» تدلنا على أن أى شغف من البعض بلى عنق التاريخ خدمة للمعتقد الدينى الذى ظهر برسله وكتبه بعد ثلاثة آلاف سنة من عصر المصريين الأوائل الذى يعود إلى أكثر من ستة آلاف سنة من الآن هى محاولات ليست أكثر من بحث عن أسطورة لا أساس لها من الواقع فى شيء .. ومن نصوص هذه المتون التى يصفها بريستد بانها تعبير عن ثورة عظيمة قام بها الانسان ضد الظلمة والسكون العظيمين اللذين لم يعد منهما أحد «الملك تيتى لم يمت موتا بل جاء معظماً فى الأفق .. هيا أيها الملك .. انك لم تسافر ميتا بل سافرت حيا .. لقد سافرت لكى يمكنك أن تعيش، وأنك لم تسافر لكى تموت» .. وبتأمل هذه النصوص سنجد فى الكتب المقدسة للأديان السماوية والتى يفصل بينها وبين كتابة هذه المتون ثلاثة آلاف سنة على الأقل ما يمكن أن نعتبره اعادة انتاج لهذه الأفكار الوجودية إلى وردت بالمتون المصرية القديمة ومنها قصة النبى ادريس .. وان خلصنا لمحصلة حول الجدل بين فضيلة العلم وفضيلة الشيخ فجدير بنا ان كنا جادين فى احترام قواعد العلم ومنطقه أن نترك ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ولا داعى للنبش فى تربة العلم بمعاول الدين حتى لا نخسر الاثنين معاً.