بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

نسرين ذات الرداء الأبيض


بينما نحن نلهو في غِمار الحياة، نشاهد ونحلل ونقيّم ونتحاكم، هناك ملائكة بلا أجنحة يحاولون بكل جهدهم مداواة المرضى وخدمتهم وتخفيف آلامهم وتطييب خواطرهم، يرافقونهم طوال فترة مرضهم بلا ضجر، لم يحظوا قدرًا من الشهرة أو الوجاهة الاجتماعية كما الأطباء، رغم أنهم الأكثر ملازمة للقابعين دون إرادة على سرير المرض.

هؤلاء الذين لقبوا من قبل بملائكة الرحمة ويعرفون حاليا بفريق التمريض لم يجنو ثمار جهودهم سوى دعوات الغلابة من المرضى الذين يطيبون آلامهم، ويتقربون منهم في محاولة لتضميد جراحهم النفسية قبل العضوية، حتى أصبحوا الأكثر تعرضًا للعدوى، وقد لمسنا ذلك في الأزمة التي تواجهها البلاد في ظل فيروس كورونا المستجد كوفيد 19.

لن أكتب كلامًا مرسلًا، ولكني أتحدث اليوم عن حالة شديدة الخصوصية، لامست إخلاصها وحرصها على تقديم رسالتها مع المرضي، وعاصرت لحظات فارقة مرت بها، وسط آلام الوحدة والقلق والاغتراب، داخل أسوار الحجر الصحي المخصص لمرضى كورونا، إنها شقيقتي وصديقتي "نسرين عِشرة".

تكبدت الكثير من المتاعب والآلام والإيذاءات النفسية فقط لأنها تؤدي دورها الإنساني والوظيفي في رفع معاناة مرضى العناية المركزة بمستشفى دمياط العام، حتى أصيبت بالفيروس المستجد، لتواجه طباع البشر الحقيقية بعد أن تجلت الأقنعة وتناثرت، فتجد الرحماء وغيرهم من القاسية قلوبهم من مختلف الطوائف والطبقات.

كانت تذهب إلى المستشفى كل يوم لتؤدي واجبها المقدس بعد أن ترتدي الزي الأبيض النقي، الذي يعكس صفاء النفوس، ويوهب المرضى الأمل في تلك الليالي المظلمة التي كانوا يقضونها على سرير المرض، حتى تبدلت الأدوار فجأة وأصبحت هي المريضة التي تقبع مرغمة على الفراش تواجه هذا الفيروس الذي يرعب العالم أجمع.

تركت طفليها الصغيرين "أحمد" ذا التسع سنوات، و"مصطفى" ذا الست سنوات، برفقة زوجها المخلص "محمود الغزاوي"، لتذهب راضية بقضاء الله وقدره في هدوء وسكينة إلى المكان المخصص للعزل، لتبدأ رحلة جديدة ممتلئة بكل تقلبات الحياة.

ثلاثون يومًا مروا عليها وهي تتنقل بين أسرة المستشفيات ما بين مستشفى ١٥ مايو النموذجي في حلوان، لتجد نفسها في مكان مغلق مع خمسة أسرة أخرى في قسم العمليات، ثم تنتقل إلى مستشفى بلطيم التي وجدت بها أصحاب القلوب الرحيمة من الأطباء والتمريض، حتى تصل إلى محطة المرض الأخيرة في مركز التعليم المدني بدمياط الجديدة، حيث الموطن وزملاء المهنة الذين يسعون لراحتهم بشتى الطرق.

ثلاثون يومًا وهي تتنقل بين مختلف الحالات النفسية، ترى حالات تخرج وأخرى تتوفى، ترى نتائج تحاليلها المترنحة بين الإيجابي والسلبي،  تتنقل بين الحالات الصحية من الأعراض ولا أعراض، حتى يقضي الله أمره بشفائها بعد التأكد من سلبية آخر تحليلين.

دعونا نحيي سويًا تلك السيدة العظيمة، والبطلة القوية، ذات الرداء الأبيض، التي صمدت في مواجهة هذا الفيروس وتلك الفيروسات البشرية الأخرى، ولنقف جميعًا بكل فخر وعزة تحية لمثلها من الأبطال في الأطقم الطبية وعلى الأخص هؤلاء المهدور حقهم من التمريض.