تأملات
نظرات فى مفهوم «الهمج الرعاع»!
لا أدرى لماذا تستوقفنى هذه العبارة كثيرًا: الناس ثلاثة: عالم، ومتعلم، وهمج رعاع يميلون مع كل ريح! كثيرًا ما سألت نفسى من هم الهمج الرعاع بعيدًا عن التعريف الكلاسيكى بأنهم الحمقى من الناس؟ وإذا كانوا يميلون فلماذا لا يميلون مع ريح واحدة؟ أم أن صفتهم تلك لا يكتسبونها سوى لأنهم يميلون مع أكثر من ريح؟ وما هو مستوى هذا الميل ومظاهره؟ وهل يمكن القول إن هناك نوعًا من الترادف بين الناس «الإمّعة» والناس الهمج الرعاع؟ أم أنهم نوعان مختلفان باعتبار أن الإمعة هم الذين يمتلكون مستوى محدودًا من الفهم لا يمكنهم من تكوين رؤية مستقلة فيبحثون عن آخرين يتبعونهم، فيما أن بعض الهمج الرعاع ربما يتبعون فى مواقفهم مصالحهم ولا ينطلقون فى ذلك من تراجع أو انخفاض مستوى وعيهم فقط؟
ولأن العبارة فى الأصل تعود إلى عليّ بن أبى طالب رضى الله عنه، بما يعنى أنه يمكن وصفها بأنها عبارة تنتمى إلى التراث، فقد كنت أسأل نفسى من هم- بلغة العصر- من يمكن وصفهم بأنهم فى فئة الهمج الرعاع؟ وإذا كانت عبارة الصحابى الجليل تشير إلى أنهم يقعون فى منزلة دون المنزلتين من العالم والمتعلم، فهل هم غير المتعلمين؟ أم أن هذا فهم سطحى وأنهم هم الذين ينطبق عليهم المثل الشعبى «يمشون مع الرايجة!».
ربما تكون هناك اجتهادات كثيرة إذا ما طرح المفهوم أو المصطلح للنقاش العام أو التحديد المفاهيمى.. فقد يرى البعض أنهم أولئك الذين يندرجون فيمن يصفهم البعض بأعضاء فصيلة «عقلية القطيع»، وهو تصور قد يكون دقيقًا إذا وضعنا فى الاعتبار أن أعضاء عقلية القطيع يبحثون عن اتجاه الريح ثم يسيرون وراءها وقد وضعوا الأغلال ليس فى أعناقهم وإنما على عقولهم!
وقد يرى آخرون أنهم أولئك الفصيل الذى يطلق عليه فى بعض الكتابات بـ«الدهماء» ورغم أنه قد يكون هناك خيط رفيع بين أعضاء عقلية القطيع وذلك الصنف الثانى، فإن هؤلاء الأخيرين ربما اتسمت تحركاتهم بالفوضوية أو تلك التى ينطبق عليها توصيف «الغوغائية».. لعل أبلغ مثال على تأثير هؤلاء القضية التى فجرها فولتير والمعروفة باسم محاكمة كالاس حين اتهم الأب جان كالاس بأنه قتل ابنه لأنه أراد تغيير مذهبه واعتناق الكاثوليكية وهاجت عامة الشعب فى مدينة تولوز وطالبوا بمحاكمة الرجل وتأثر القضاة بهيجان الشارع ذى الأغلبية الكاثوليكية فأصدروا حكمًا متسرعًا بتعذيبه وكسر عظامه حتى يعترف بجريمة لم يرتكبها.
وعندما أشعلوا النار ترجاهم وهو الكبير فى السن أن يقتلوه تمامًا قبل أن يلقوا بجسده فيها وبعدئذ ببضعة أيام اكتشفوا أنه برىء تمامًا. وعندما وصلت أصداء القضية لفولتير جن جنونه، وأن انتهت القضية بإعادة المحاكمة وثبتت براءة كالاس وعرف الجميع أنه ذهب ضيحة التعصب الطائفى وهو ما دعا فولتير لكتابة رسالته الشهيرة «مقالة فى التسامح». لقد راح كالاس ضحية الهمج الرعاع وكم من أمثال كالاس بيننا راحوا على هذا النحو أو غيره بسبب أمثال هؤلاء.
يكشف لنا استدعاء احداث التاريخ أيضًا أن خشية فولتير إنما كانت من هؤلاء، حيث حرص على أن يعيش فى منطقة الحدود بين فرنسا وسويسرا.. قدم هنا وأخرى هناك.. لكى يتمكن من الفرار إذا ما ثارت ثائرة الدهماء على ما يكتبه. على المنوال ذاته كان الفيلسوف اسبينوزا يعمل لهؤلاء ألف حساب وكان تساؤله العام لماذا يبدون لا عقلانيين إلى مثل هذه الدرجة الأمر الذى كان يحيره، ولذلك كان يخشى من يدعوهم بالغوغاء والدهماء وحرص على أن ينشر كتابه «رساله فى اللاهوت والسياسة» بدون اسم وليكون كاتبه مجهولًا، كما يفعل كتاب يحرصون على أن يبقوا مجهولين فى كل زمان ومكان، حتى لا تناله أو تنالهم التهم من كل صوب وحدب. غير أنه على خلاف التاريخ ليس شرطًا أن يكون الهمج الرعاع من الدهماء وإنما قد يكونون مواطنين شرفاء بغض النظر عن أشكال ممارساتهم لهذه الوطنية.
فى معرض تشريح ظاهرة الهمج الرعاع قد لا تملك أن تحدد اتجاه التأثير فى تحركاتهم.. هل هو من أعلى- من السلطة- أم من أسفل؟ أم أن الأمر يعكس حالة تفاعل وتأثير متبادل؟ وإن كان فى الأغلب الأعم منها يأتى ازدهار وضعهم كنوع من المزايدة من كل طرف على الآخر.
فى عصرنا الراهن ومع تطور التكنولوجيا اتصور أنه لم يعد شرطًا أن يندمج الهمج الرعاع ضمن مجموعة من البشر فى إطار مكانى وزمانى واحد، فرغم أنهم قد يتشكلون من مجموعة تجمعهم رؤية واحدة لقضية يواجهها المجتمع، فإنهم قد يكونون متفرقين ولكن ربما يجمعهم فضاء إلكترونى أو كتيبة إلكترونية واحدة من خلال وسائل التواصل الاجتماعى، إنهم يعزفون نغمة واحدة- رغم التباعد المكانى بينهم والتباعد الاجتماعى أيضًا بسبب كورونا، وعلى إيقاع واحد، وربما يوزعون التهم بالخيانة والعمالة والوطنية وانعدامها، على هذا الكاتب أو المفكر أو ذاك، بدراية وفى الأغلب بدون دراية أو حتى دون تعقل لما يوزعون اتهاماتهم بشأنه.. وإذا كان لذلك من نتيجة فهى أن الهمج الرعاع مفهوم وحالة أزلية ستتواجد مع البشرية- للأسف- فى كل وقت وحين!