بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

هذه الدنيا

هل تصل الرسالة؟!

تبقى مذكرات صليب باشا سامى وزير الخارجية الأسبق وثيقة مهمة تكشف الكثير من كواليس السياسة فى مرحلة ما قبل 23 يوليو 1952 وما شهدته من تفاعلات رسمت خريطة الوطن.

وأتوقف فى المذكرات أمام واقعة خطيرة ... حيث يكشف صليب باشا قصة لقاء جمعه والكونت باليانو الوزير الإيطالى المفوض فى مصر والذى طلب منه السماح بمرور الطائرات الإيطالية من طرابلس عبر الحدود المصرية فى طريقها إلى مستعمرة «اريترة» (ويقصد اريتريا)، وزعم أن مصر سبق أن قبلت مبدئيًا طلب بلاده فى هذا الشأن، فوعده صليب باشا بدراسة الموضوع، غير أنه بعد دراسة الأمر تبين أن إيطاليا كانت تنوى شن غارات على بلاد الحبشة. 

وكتب صليب باشا مذكرة ضمنها رأيه فى هذا الموضوع وعرضها على الملك فؤاد الذى وافق على ما جاء بها بعدم الاستجابة لمطلب الحكومة الايطالية.

وبعدها التقى الكونت باليانو والوزير المصرى الذى أبلغه بأن المسألة فى حاجة إلى دراسة وافية لم تكتمل بعد، فزعم الكونت بأن واصف باشا غالى وزير الخارجية الأسبق كان قد وعد حكومته بإجابة طلبها وأن لديه مكاتبات بذلك، فرد صليب باشا بأنه ليس فى ملف الوزارة ما يفيد ذلك.

وعندما عاود الكونت لقاء الوزير أفاد بأنه لا يستطيع التصرف فى الأمر قبل عودة صدقى باشا.. فأوضح المسئول الإيطالى أن حكومة السودان وافقت على مرور الطائرات الايطالية بأراضيها، فأجاب وزير الخارجية بأنه لا يعتقد أن حكومة السودان يمكن أن تفعل ذلك دون مشاورة الحكومة المصرية، وعلى كل حال فإن حكومة السودان شىء، والحكومة المصرية شيء آخر، واحتدم الحوار وقال الوزير الايطالى: نحن لا نستطيع أن نقف مكتوفى الأيدى أمام تعنت الحكومة المصرية.

   •   فسأله صليب باشا: ماذا تعنى يا حضرة الوزير؟

   •   قال: أعنى إذا وقفت بنافذة المفوضية فى القاهرة، وأطلقت صفارتى، حضر لى على الفور عشرة آلاف من الفاشيين مدججين بالسلاح.

   •   قال صليب باشا: إن هذا إنذار مصحوب بتهديد باستعمال القسوة، فهل أنت تتحدث باسم حكومتك وهل كُلفت منها بابلاغ هذا الإنذار للحكومة المصرية؟

   •   قال: كلا ثم كلا ربما تجاوزت عبارتى قصدى، لأنى فى حالة عصبية أخرجتنى عن طورى، وأرجو أن تفهم أن موسولينى سوف يستدعينى إذا ما فشلت فى مهمتى هذه لأنها من الأهمية لديه بمكان.

   •   قال صليب باشا: لقد فعلت يا حضرة الوزير كل ما تستطيع أن تفعل لتفشل فى مهمتك، وإنى لابد أن أبلغ جلالة الملك تهديدك لحكومته.

   •   وأخذ الكونت يتوسل لصليب باشا راجيًا منه أن يعتبر كلامه رغم تهوره غير المقصود حديثًا غير رسمى بين صديقين وألا يبلغه لجلالة الملك، غير أن صليب باشا أفهمه بأن واجبه يقتضى عليه أن يبلغ الحديث لجلالته حرفيا. وعرض صليب باشا الأمر على الملك فؤاد الذى شدد على وجوب الاحتفاظ بسرية ما حدث إلى أن ينتهى أمره، وبعد أسبوعين أو أكثر استدعت الحكومة الإيطالية وزيرها المفوض واستبدلت به وزيرًا آخر.

ويضيف صليب باشا سامى: ولقد تحقق ما توقعته، فلم تمض على هذا الحادث سنة أو أكثر بقليل حتى قامت إيطاليا بالهجوم على الحبشة هجومًا وحشيًا لم تراع فيه أصول الحرب بين الدول المتمدينة، ووقفت بريطانيا وفرنسا مكتوفتى الأيدى إزاء عدوان إيطاليا.

ويعلق الدكتور سامى أبوالنور الذى قام بتحقيق المذكرات بقوله: إن الرأى العام المصرى كان متعاطفًا مع الأحباش، وبرغم أن مصر لم تكن عضوًا فى عصبة الأمم فإنها شاركت فى العقوبات التى فرضتها على إيطاليا فى 14 أكتوبر 1935 باعتبار أن الحبشة عضو بها منذ عام 1925.

ومن أسف أن بريطانيا وفرنسا اعترفتا بالحبشة كمجال للمصالح الإيطالية، مقابل تغاضى إيطاليا عن النفوذ الفرنسى فى شمال إفريقيا، والنفوذ البريطانى فى مصر..

ووقفت مصر وحدها تدافع عن حق الحبشة (إثيوبيا حاليًا)  قبل أكثر من 85 سنة.. فهل تصل الرسالة؟

[email protected]