بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

على فكرة

حليم

 

 

 

قبل أيام مرت الذكرى 43 لرحيل عبد الحليم حافظ، الذى طالما دللل جمهوره، فبادله الجمهور ذلك بدلال مثله، ونطقوا اسمه مجردا من أى القاب  هكذا «حليم»، قبل أن يطلق عليه الكاتب الصحفى «جليل البندارى» لقب «العندليب الأسمر». والعندليب فى قاموس اللغة، هو طائر صغير الحجم سريع الحركة، كثير الألحان، يظهر فى فصل الربيع. وحين نريد أن نضرب  مثلا فى عذوبة الصوت وجماله نقول غناء عندليب  أى كغناء البلبل وتغريد الهدهد.

توفى حليم فى الثلاثين من مارس عام 1977 فى لندن، وهو يخضع لجولة علاج جديدة من البلهارسيا التى أكلت أكباد المصريين  ودمرت حياة كثيرين منهم على مدار عقود، فضاعف الموت فى الغربة من أحزانهم على فراقه. كانت الحياة السياسية فى مصر يوم وفاته مفعمة بأحداث جسام. كان الرئيس السادات فى زيارة للولايات المتحدة، فى أعقاب المظاهرات الشعبية العارمة التى اندلعت فى 18و19 يناير احتجاجا على رفع أسعار السلع الأساسية. لم تتوقف نتائج المظاهرات عند حملات القبض الواسعة النطاق المصحوبة بحملات تشهير مماثلة من صحفى النظام ضد من سموهم «مخططى ومحرضى ثورة الحرامية»، وكان معظمهم من اليساريين داخل حزب التجمع وخارجه .

لم يكن يدور بخلد الرئيس السادات، وهو قائد النصر العظيم فى حرب أكتوبر، أن تتسع المعارضة لسياساته بهذا الشكل والحجم، لاسيما وقد اقترنت المظاهرات بأعمال عنف وتحطيم للممتلكات العامة والخاصة. هزت المظاهرات هيبة النظام الذى فاجأه امتدادها من الاسكندرية لأسوان، فكان الاتفاق الذى تم بين الرئيس السادات والرئيس الأمريكى كارتر على زيارة القدس المحتلة، التى غيرت موازين القوى فى المنطقة ،وكانت  واحدة من النتائج الحاسمة  لتفسير السادات  لأمن نظامه، على ضوء مظاهرات الخبز.

وبرغم الظروف الاستثنائية تلك، شارك عشرات الآلاف  من المصريين فى جنازة «حيلم»، فلماذا توحدوا فيه وحوله حيا وميتا؟ ولماذا خفقت لأغانيه كل قلوبهم، وانفطرت حزنا على رحيله؟ لم يكن هو الصوت الأقوى فى جيله، لكنه  كان الأكثرصدقا وشجنا وحساسية وقدرة على النفاذ والتلامس مع المشاعر العميقة فى نفوس مستمعيه. وبرغم أن طريقه لم يكن مفروشا بالورود، بل كان مغمورا بالعثرات والخيبات فإن تعويذته فى مقاومة اليتم والفقر والمرض وتحرش الفاشلين ومزاعم الحاسدين، كانت الاتقان والتجويد والتجديد، ليس لكى يغدو واجهة نظام كما ادعى حاسدوه، بل ليصبح تعبيرا عن مرحلة أحلام شعب ويقظة أمة، تفانى إبداعه فى خدمة أهدافهما.

 قدم «حليم» 16 فيلما نقل فيها الفيلم الغنائى نقلة نوعية، أضافت لما قبله من حيث الشكل والإبهار والصدق الفنى، وقدم أكثر من 300 أغنية جمعها وعرف بها وبمؤلفيها وملحنيها وموزعيها والمقامات التى تنتمى إليها والسنوات التى صدرت بها «عمرو فتحى» فى كتابه الموسوعى الهام الذى صدر مؤخرا عن دار الكرمة بعنوان «موسوعة أغانى عبد الحليم حافظ».

وتكتسب تلك الموسوعة أهميتها من أنها ربما تكون الوحيدة التى تنطوى على سجل كامل  بأعمال «حليم» الفنية والغنائية والسينمائية والإذاعية، عكف  المؤلف على جمعها والتنقيب عنها  على مدار ست سنوات، فى أضابير الصحف والكتب والمجلات وتسجيلات  الإذاعة والتليفزيون، والمواقع الفنية على شبكة النت، والحوارات الشخصية مع معاصرين، والاستشهادات النقدية لكتاب ولعبدالحليم نفسه، فضلا عن التعريف بأفلامه والمسلسلات الإذاعية التى قدمها، والأغنيات التى صاحبت أفلاما لم يشارك فيها .وبما أننى واحدة ممن خصهم «عمرو فتحى» بالإهداء الذى تصدر كتابه: إلى كل محبى عبدالحليم، فأقول له لقد كنت قبل قراءة كتابك الثرى، مجرد مولعة بفن عبدالحليم حافظ ، وصرت بعد قراءته قادرة على تفهم  السبب وراء هذا الولع  بفن حليم المتنوع  وعالمه الثرى  الواسع النطاق رغم عمره القصير(58عاما) وعلى حقيقة  لماذا  لايزال يغرد وحيدا فى مكان لم يملأه أحد بعد رحيله؟