الجحيم والحضارة
هل الفن والأدب يسبقان العلم والتكنولوجيا، أم أن الأدباء والفنانين يستشرفون المستقبل الذى ينتظر البشرية حين تفقد بوصلتها ووجهتها وتحييد عن الطريق وتبدأ فى تدمير الحياة بصور عديدة، متخيلة أو متصورة أنها تمنح حياة أفضل وأكثر رفاهية وأكثر متعة للبشر، وما يعيشه العالم اليوم من إرهاصات قدمها العديد من كبار الكتاب والفنانين فى أعمال عديدة عما يسمى «أبو كاليبتك» أو ما بعد تلك الحياة التى نعيشها، وإن كانت أصول الكلمة يونانية، ولها مدلول فى الديانة اليهودية ما بعد التيه فى الصحراء، إلا أن المعنى الأدبى لهذه المدرسة الفكرية هو التطهر بعد التنوير فى لحظة أخرى ينتقل فيها الإنسان لما بعد الحياة بكل آثامها وشرورها وهذه المدرسة قد أدت إلى إنتاج العديد من الأفلام والروايات فى هذا الصدد، وكان من أهمها فيلم «الجحيم» 2016 لـ«توم هانكز»، وفيلم «العدوى» أو «الوباء» 2011 للمخرج «ستيفن سودربرغ»، ففى فيلم «الجحيم» المأخوذ عن ملحمة دانتى «الكوميديا الإلهية» وكتبه دايفيد كوب يشرح علاقة ثلاث منظمات بموضوع «فيروس» قاتل تم تحضيره من قبل مخبول ومجنون له مريدون يعتقد أن العالم عليه أن يتخلص من سكانه أو أكثر السكان خاصة كبار السن ليفسح المجال للشباب بأن يعيدوا بناء عالم أكثر نقاء وأكثر حباً ورخاء وقرباً من الطبيعة تتدخل المخابرات الأمريكية وترسل أستاذاً فى الأدب الإيطالى كان على علاقة حب برئيسة منظمة الصحة العالمية وذلك للوصول إلى فك شفرات اللغز الذى هدد به ذلك المخبول العالم وأن مركز انتشار الفيروس فى روما بأحد متاحف دانتى، ذلك الكاتب الإيطالى الملحمى وطبعاً هناك منظمة خفية من رجال المال والأعمال التى تسعى وراء ذلك الفيروس لتستغل الدول والحكومات وتقرر متى تستخدمه للابتزاز ولتحريك شركات الدواء والسيطرة عليها ولأن لذلك المخبول مريدين فإن بعض الأطباء وموظفى منظمة الصحة العالمية وأيضاً رجال الشرطة يعدون جزءاً من خطة انتشار الفيروس لتدمير البشر من أجل حياة أخرى، ولأن الفيلم أمريكانى فإن البطل «توم هانكز» هو من ينقذ العالم والبشرية بذكاء وثقافة وفك شفرات الألغاز والقوة العضلية والذهنية التى تمكنه فى النهاية من الوصول إلى الصندوق الذى يحوى الفيروس المدمر قبل أن ينتشر فى المياه ويدمر البشرية من إيطاليا.. وفيلم «الوباء» الذى سبقه فى عام 2011 تحدث عن ذات المغزى من وجهة نظر أخرى، والمهم فى هذا هو هل هناك مؤامرة كونية أم فنية أم سياسية اقتصادية لتدمير البشرية والانتقال إلى لحظة تنوير وتطهير جديدة وبعث وميلاد جديد؟ أم أن هناك قدراً وبشراً أفسدوا الحياة وخدعوا البشر وها هم يحصدون جزاء ما فعلوا من خداع ووهم باسم الحضارة والتكنولوجيا وهم أضعف من «فيروس» لا يرى بعين مجردة.. الحالة العبثية الجحيمية التى نعيشها الآن تتطلب أن نقوى جهازنا المناعى وقبله جهازنا الروحى الإنسانى لندرك لحظة التطهر والتغيير وذلك الميلاد الجديد للإنسان من جحيم تلك الحضارة المزعومة الواهية.