هذه الدنيا
صليب باشا سامى
بعيدًا عن أجواء «كورونا» الخانقة، وما نطالعه يوميًا من أخبار عن تعاف هنا، وانتشار هناك، فرضت على حالة العزلة الاختيارية أن أطالع مذكرات واحدًا من أبرز الشخصيات التى لعبت دورًا مهمًا فى الحياة السياسية فى مرحلة ما قبل 23 يوليو 1952.. إنه صليب باشا سامى الذى شغل مناصب وزارية متعددة ومتنوعة فى 9 حكومات خلال الفترة من 1933 حتى 2 يوليو 1952.
وصليب باشا سامى كان واحدًا من أبرز المحامين فى بداية القرن العشرين، وُلد سنة 1885، وعمل مستشارًا ملكيًا سنة 1929 وتولى رئاسة دوائر القضايا فى العديد من الوزارات قبل أن يبدأ رحلته مع العمل الوزارى، وصدرت مذكراته عن دار مدبولى عام 1999، وقام بتحقيقها الدكتور سامى أبوالنور، غير أنها لم تحظ باهتمام يُذكر رغم أن صاحبها شغل منصبًا مهمًا، وهو منصب وزير الخارجية سنة 1933 خلفًا لنخلة باشا المطيعى فى تعديل وزارى أُجرى على حكومة إسماعيل باشا صدقى أغسطس 1933، وكان واحدًا من الوزراء المقربين من الملك فؤاد حتى أنه عينه وزيرًا للحربية والبحرية بوزارة عبدالفتاح يحيى باشا الأولى (سبتمبر– 14 نوفمبر 1934)، وبالمناسبة هو أول قبطى يشغل هذا المنصب الحساس..
يروى صليب باشا سامى ملابسات تعيينه بقوله: «فصدر المرسوم دون علمى بتعيينى وزيرًا للحربية والبحرية، وكانت مفاجأة لى غير سارة، لأنه كان أولى بهذه الوزارة فى نظرى ضابطًا من ضباط الجيش، لا رجل من رجال القانون أو من رجال السياسة. ولما بلغ مسامع الملك أثر هذا التعيين فى نفسى، دعانى إلى مقابلته وقال لى إنه هو الذى اختارنى لوزارة الحربية، لأن هذه الوزارة فى الظروف التى تمر بها البلاد بعد مقتل «ستاك» باشا أحوج إلى رجل سياسى منه إلى عسكرى، وأنى لابد أعلم أن هذه أول مرة يُعين قبطيًا وزيرًا للحربية، وأنه يجب على أن أقدر ذلك كله، ثم أوصانى بأن أصلح علاقة الحربية بالإنجليز، دون أن أفرط فى أى حق من حقوق بلادى، وأنه يرجو بحسن سياستى أن أستزيد لها بعض الحقوق».
وتمتد رحلة صاحب المذكرات ليشغل مناصب: وزير التموين، والتجارة والصناعة، والخارجية للمرة الثانية فى وزارة حسين سرى الثانية التى أقيلت فى حادث حصار قصر عابدين 4 فبراير 1942، ثم يعود وزيرًا للتجارة والصناعة فى وزارة إسماعيل صدقى الثالثة، ثم فى وزارة حسين سرى الرابعة، وينتقل لوزارة الزراعة ثم المواصلات بوزارة على ماهر الثالثة (27 يناير- أول مارس 1952)، ثم يودع مناصبه الوزارية بمنصب وزير التموين والتجارة والصناعة بوزارة نجيب الهلالى الأولى (أول مارس– 2 يوليو 1952).
ورغم أن الدكتور سامى أبوالنور بذل جهدًا كبيرًا فى تحقيق المذكرات، خاصة أن كاتبها دون الكثير منها دون توثيق لتواريخ الأحداث التى تناولها، إلا أنها تبقى وثيقة مهمة يرسم فيها كاتبها صورة لشكل الحياة فى مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، ويقدم شهادته على علاقة الملك فؤاد ورئيس وزرائه إسماعيل باشا صدقى وكيف لعبت الحاشية الملكية دورًا فى الوقيعة بينهما.
وتبقى مشكلة مذكرات صليب باشا سامى أن صاحبها لم يحظ بالنجومية التى تفرض نفسها على المؤرخين- رغم خطورة- دوره لسببين فى تقديرى:
الأول: أنه لم يكن ابنًا لأى من العائلات القبطية الشهيرة مثل عائلة بطرس غالى أو مكرم عبيد، رغم أن أسرته من كبريات الأسر القبطية فى مصر وامتلكت نحو 1500 فدان.
الثانى: أنه لم يكن من وزارء الوفد، وتشير الوثائق إلى أنه انضم إلى حزب الأحرار الدستوريين وكان عضوًا بمجلس إدارته سنة 1926، حتى انفصل عنه وانضم إلى حزب الاتحاد أوئل الثلاثينيات.
غير أن كل ذلك لا يقلل من خطورة تجربة الرجل وأهمية شهادته التى تستحق العودة لها فى حديث آخر.