لوجه الله
التخلف التكنولوجى
شهدت الإنسانية العديد من التحولات التقنية.. وفى كل مرحلة كانت الفجوة تتسع بين الغرب وعالمنا العربى.. «الذى يصر بقوة على البقاء خارج المضمار».. وعلى الرغم من هذه الفجوات المتتالية فإن الوضع كان يحتمل قدرًا من التعايش معها.. غير أن العالم اليوم على أبواب قفزة تكنولوجية جديدة.. ستحدث فجوة «إنسانية» لا يمكن التعايش معها على الإطلاق.
فالتطورات المتسارعة فى عالم التقنية.. التى تقودها عمليات الأتمتة وإنترنت الأشياء.. بالإضافة إلى الواقع المعزز والافتراضى.. تنبئ بتغيير وجه الحياة على الكرة الأرضية.. فى جميع المجالات بدءًا من النقل والصحة إلى الأسلحة التى لا طاقة للبشر بها.. ووصولًا إلى الإنسان نفسه عبر التكنولوجيا الحيوية.
والحقيقة المريرة التى نتغافل عنها.. أن منتجات تلك الثورات الصناعية.. قد نستطيع شراءها من قفزة إلى أخرى.. لكن صناعها لن يتركوا لنا أبدًا الفرصة للسيطرة الكاملة على منتجاتهم.. بمعنى سأسمح لك باستخدامها لكن إدارتها حقى أنا وحدى.
وقد كشفت الحكومة السويسرية مؤخرًا.. عن فضيحة تجسس جديدة من ذلك النوع الذى طالما حذرت منه.. وهى استخدام المخابرات الأمريكية والألمانية شركة تقنية كواجهة للتجسس على العديد من المراسلات الحكومية السرية.. وهى العملية التى أطلق عليها اسم «روبيكون».. والفضيحة باختصار قيام جهازى المخابرات بالتجسس على كل المراسلات الرسمية لعدد من الدول.. «بالطبع أغلبها عربية».. عبر فك شفراتها من خلال تكنولوجيا تشفير باعتها شركة «كريبتو السويسرية» لتلك الحكومات.. بمعنى أن هذه الدول دفعت الملايين حتى يتم التجسس عليها.
وسبق أن أعلنت المخابرات الأمريكية.. «كمن يخرج لسانه للعالم».. عن أنها تحصل على 1.6 مليار معلومة يوميًا.. وبالطبع هناك العديد من فضائح التجسس المشابهة.. ومضمونها جميعًا.. دول امتلكت التقنية تتلاعب بأخرى تتسولها، وتدفع ثمن إهدارها لثروتها البشرية.
ولم يعد خفيًا على إحدى أن شركات التقنية الأمريكية تتجسس على العالم بكل الأدوات التى قد تخطر أو لا تخطر على بال أحد.. ففى برمجياتها هناك دومًا ثغرة «لها فقط».. وفى أجهزتها هناك دوما باب خلفى.
والواقع يشير بوضوح إلى أننا بتنا على مفترق طرق.. يختلف كثيرًا عن المفارق السابقة.. مفترق لا تصلح معه التنبلة والفساد.. وسياسات الاستحواذ واستبعاد المتميزين وإجبارهم على هجرة الوطن.. فالمعركة القادمة ليست معركة سلاح، ولا أموال.. بل معركة عقول.. والمنتصر فيها من يحسن استغلال ثروته البشرية.. ويعيد حساباته فيعلى من قيمة العقل والتميز وليس أى شىء آخر.. وإلا سيخسر الجميع أكثر مما يحتمل.