بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

سلالم

زمن النفط الجديد

« الداتا هى النفط الجديد» عبارة رائجة فى كافة أنحاء العالم، شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا، لتؤكد أن المعلومات هى كل شىء.

فى بعض الأحيان يستغرب المرء أن يكون محبا للتحف اليدوية، وربما لا يعرف بعض مَن هم حوله ذلك، لكنه يفاجأ عندما يقلب فى صفحات السوسشيال ميديا بإعلانات مباشرة عن متاجر، ومزادات تحف فنية يدوية. ربما يتصور أنه محظوظ، وأن قانون المصادفة وضع فى طريقه ما يحب، وأبعده عما يكره. لكن الحقيقة غير ذلك، فكل شىء وضع بسبب ووفق قانون آخر هو قانون الاختراق.

فكل منا الآن مخترق، عارٍ، شاء أم أبى، معروف ما يحب وما يكره، ومحفوظ ما يبحث عنه وما لا يخطر على باله. عزيزى الإنسان: أنت تحت المجهر، يرونك كل يوم، ويعرفون عنك ما قد تكون قد نسيته عن نفسك.

 فى زمن سقوط الخصوصية صار الحاسوب الذكى يعرف من خلال حسابك عمرك، مكان سكنك، ما تحب وما تكره، محيط علاقاتك، أصدقاءك، ما يعجبك، وما لا يلفت انتباهك، ما تأكله، وإلى أين تسافر، وما هى ألوانك المفضلة، وما هى آراؤك فى المواقف العامة، وهل أنت اجتماعى أم انطوائي. كل شىء مرصود ومسجل ومُثبت ومن خلاله يتم التعرف على سماتك الشخصية الآنية ويمكن أيضا التنبؤ بتحركاتك وسلوكياتك فى المستقبل. فطبقا لعالم النفس الأميركى ميشال كوسينسكي، فإن عناصر الملف الشخصى على تويتر وعدد متابعينه، وعدد من يتابعهم المستخدم، وعدد وطبيعة التغريدات كافية لتحديد السمات الشخصية للفرد ومعرفة إن كان محبا للتعاون أم لا، قادرا على الاندماج فى فريق عمل أم محبا للعمل الفردي، لديه روح ابتكار ويحب الحلول غير التقليدية أم يفضل التوجهات المحافظة والنمطية. وغالبا ما تتطابق النتائج الفعلية لذلك التحديد بنسبة 90 فى المئة.

وهنا، فإن الأخ الكبير الذى تنبأ بسطوة تسلطه الأديب البريطانى جورج أورويل فى روايته 1984 والتى صدرت نهاية الأربعينيات لم يعد مهمًا لأن الحاسوب هو الأخ الكبير وهو أخ كبير عولمى يعرف كل شىء ويستخدم ما يعرفه لتحقيق مكسبين الأول مكسب مالى عن طريق تسويق ما نريد، والثانى مكسب أمنى عن طريق بيع معلوماتنا لجهات أمنية دولية للتصرف الاستباقى حيال أى أمر محتمل يهدد الأمن.

سباق محموم، ولد مع السوشيال ميديا لصناعة ملف لكل إنسان. مَن يصنع حسابا على الفيسبوك يقدم الكثير والكثير لأناس لا يعرفهم، يتبرع بخصوصياته، بلا مقابل. يفتح ذاته لآخرين، يُشرع نوافذ عقله ورأسه لمن هُم قادرون على تحويل كل حرف إلى دولارات.

فى عددها الأخير، نشرت مجلة الجديد اللندنية ملفا احترافيا كاملا عن فكرة التبرع بالخصوصية وكيف صب ذلك فى مصالح الشركات العملاقة، كيف غير مهام الرقابة، وكيف ساهم فى وضع مخططات مسبقة للأسواق، وكيف أثر ذلك فى السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، ولا شك أن تلك قضايا مصيرية تستحق المناقشة، والقراءة، والاهتمام.

[email protected]