أوراق مسافرة
دون العالم... إلا انت «1»
حين أنظر لتفاصيل وجهها، يحتوينى إحساس جارف بالحب والدفء والأمان، وأيضًا العطف عليها ولا أقول الشفقة لأنها أكبر من أى شعور بالشفقة.. إنها قامة كبيرة وقيمة، سند.. ووتد.. شمعة فى ظلام، مظلة فى الشمس.. حضن دفء من البرد، كنز لا يفنى.. نحلة لا تهدأ ولا ترتاح، زهرة فواحة لا ينتهى عطرها ابدا.. كانت تقف بدلا من زوجها الأجير فى «الغيط» تحت حرارة الشمس الحارقة، أو فى «عز» البرد القارس، تدفع «الجاموسة» لتلف وتدور فتعمل الساقية وتسقى الزرع، ومع الحصاد، تنحنى ولا يستقيم ظهرها أو ترفع رأسها بوجهها الأسمر ذى الملامح العميقة الصلبة إلا بعد ان تجمع الحصاد.. ثمارا أو غير ثمار، تشارك فى كل التفاصيل حتى يجنى الزوج ثمن الحصاد، كانت تحمل «قوالب الطوب» وأكياس الرمل على رأسها لتبنى معه الدار، لتوفر له اجر عامل بناء، كانت تضع إناء من الألمونيوم الرديء على رأسها وبه جبن قريش وبيض وفطائر صنعتها بنفسها قبل الفجر وبيدها «فرختان» لتبيع كل هذا بالسوق وتعود لبيتها ببضعة جنيهات تساعد بها فى نفقات الولاد، كانت تحيك «مريلة» المدرسة للولد والبنت لتوفر شراء الجاهز، وتقتطع من طلباتها فى الحياة وطعامها، وتعمل «جمعية» مع جاراتها بالحارة أو الشارع، لتوفر للأولاد مصاريف المدرسة والكتب والدروس، وهى تدعو لهم «يا رب حظكم يكون فى التعليم أحسن من حظى.. اللى من غير شهادة ما يسواش حاجة».
كانت تخبز بفرن بلدى بنته بنفسها من الطمى على سطح البيت، أو بأحد أركان «حوش البيت»، على «الكانون» تسوى «حلة المحشى» أو تضع «دماسة» الفول، لتملأ حوصلات أولادها وكل أسرتها بأقل التكلفة تماشيا مع دخل الزوج، فلا تثقل عليه بما لا يمتلكه من رزق، كانت تجلس على الأرض بالساعات امام «طست» الغسيل، تغسل أكواما من «هدوم» الولاد وزوجها، وتغلى الأبيض من الملابس فى «جردل» أو إناء كبير مليء بالماء والصابون الذى بشرته أو قطعته قطعا صغيرة على «وابور الجاز»، ليخرج الأبيض ناصعا، ثم «تشطفه بماء الزهرة الزرقاء»، وتتباهى بنشر غسيلها الناصع الأنظف من أى غسيل بمساحيق التنظيف الحالية، والمغسول كأفضل من أى غسالة أتوماتيك حاليا.
كانت فى الأعياد، تحيك ملابس العيد لتوفر، تسهر منذ السحور وحتى عصر اليوم التالى، تخمر «للفايش»، تصنع الكحك، البسكويت، وغيرها، وتملأ بها «كراتين ضخمة» بعد ان تفرشها بورق ابيض، أو ترصها فى «سبت الخوص»، وتعلقها على الجدران بمسامير قوية بعد تغطيتها بقماش أبيض، حتى لا تطولها أى حشرات، يعود الأولاد من مدارسهم، ليشموا من على ناصية الشارع رائحة الطبيخ الشهية حتى لو من غير لحم، ورائحة «طشة» الملوخية، وتقلية الكشرى، ورائحة الخبيز، والزيتون والليمون «المعصفر» الذى خللته بنفسها فى برطمانات الزجاج.
تنهى كل هذا بدقة وحرفية ويسر، عشرات الأشياء التى لا يقدر عليها أعتى الرجال، وبصورة يومية، والابتسامة الطيبة الحنونة المطمئنة لا تغادر وجهها، ابتسامة تنير كل بيت هى فيها كالشمعة الضخمة التى تنير قلب الظلام، وقبل ان يعود الزوج من عمله، تكون قد اغتسلت، وسرحت شعرها الأسود المموج الناعم، وقرصت وجنتيها لتمنحهما حمرة جذابة، او لو تيسر لها بقايا قلم «روج» من ليلة الزفاف، تضع منه على شفتيها لمسة، وترتدى جلبابا نظيفا تفوح منه رائحة نظافة الغسيل، لتستقبله بابتسامة رضا، تسخن له طعامه لو فاته تناول الطعام مع الأولاد، وفى المساء.. تقضى لزوجها باقى حقوقه.. ولا تفارق الابتسامة وجهها.. ابتسامة الصبر والرضا بالمقسوم.. ابتسامة حمد الله وشكره على كل نعمة.. مهما كانت هذه النعم «على قد الحال».
ما أروعك، انت معجزة بكل التفاصيل الصغيرة الدقيقة المتعبة، التى كانت.. وتغير المشهد، صارت تصحو أيضا قبل الفجر، تجهز الساندويتشات لأولادها والفطور لزوجها، وتأخذهم للمدرسة، وتهرول لعملها أيا كان نوع هذا العمل، وتحتمل زحام المواصلات، وتدافع عن نفسها لتحمى جسدها من «الزنقة» و«التحرش».. وللحديث بقية