التنافس
شرع الله تعالى التنافس فى الإيمان «وفى ذلك فليتنافس المتنافسون» «26ـ المطففون».
وقياساً على ذلك فإن التنافس سلوك محمود فى كل المجالات، فلولا التنافس فى مجالس العلم مثلاً لما وصلت البشرية إلى ما آلت إليه من التقدم فى جميع العلوم والفنون.
ولكن هل يعنى التنافس الصراع؟ كلا إنه ليس كذلك، بل هو بذل الجهد للأمام فى إطار قواعد حاكمة للمتنافسين تتيح لهم العمل على الوصول إلى النتائج المرجوة دون أن يجور طرف على آخر.
وفى مجال الرياضة بجميع أفرعها فإن التنافس شىء محمود للوصول إلى أفضل المراكز، وقد يظن البعض أنها معركة حربية، والواقع أنها ليست كذلك فهى فرصة عظيمة للمتعة والمشاهدة للمتنافسين فى ظل مساحة محددة وزمن محدد وقانون محدد فعلينا أن نمتع أنفسنا بلا تعصب، ولنا الحق فى أن نشجع أى لون نختاره، فلا حرج فى ذلك، ولكن علينا أن نشجع من فاز وأن نشد على يد من خسر ونشجعه على المبادأة مرة أخرى.
ولابد أن نعلم الأجيال الصاعدة أن المباراة لابد فيها من فائز أو مهزوم أو متعادل، فلا يمكن أن نكون فى موقع الفائز دائماً، ومن هنا لابد أن نتقبل الهزيمة إن حلت علينا لأنها مجرد تنافس، ويوم لك ويوم عليك.
والفرحة بالفوز يجب ألا يكون مبالغاً فيها، فسوف يأتى يوم يكون الفائز فى مباراة مهزوماً فى أخرى، من هنا لابد أن نوطن أنفسنا على ثقافة تقبل الهزيمة إن حلت، وتلك عزيمة قروية وفهم صحيح لشروط التنافس، فليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب، فتلك قوة وشدة وبأس هكذا لا مبالغة عند الفوز ولا مبالغة عند الهزيمة.
إن لوحة المشاهدة للتنافس الرياضى تتكون من عدة دوائر تبدأ بالإدارة بشقيها الفنى والإدارى، ثم اللاعبين والحكام والجمهور والإعلام وكل دائرة من هذه الدوائر لابد أن يكون لها قواعد حاكمة لأنها تؤثر وتتأثر ببعضها البعض، والمنتج النهائى لها هو لوحة المشاهدة التى نراها فى ساحة المبارة، وهى إما أن تكون لوحة جميلة تُمتع كل من يشاهدها، أو غير ذلك إذا حدث خلل فى دائرة من هذه الدوائر.
وما شاهدناه فى مباراة الأهلى والزمالك الأخيرة يوم «20/2/2020» فى دولة الإمارات الشقيقة يُعد خللاً كبيراً فى كل عناصر اللعبة، لأن المنتج النهائى لم يكن لوحة جميلة ولكنه كان لوحة سيئة، فقد بالغ الفائز فى التعبير عن فوزه، وخرج بعض اللاعبين عن كل القواعد السلوكية فى مشهد يندى له الجبين، كذلك لم يتقبل المهزوم الهزيمة وكأنها آخر العالم.
وهذا الأمر يُعبر عن نقص فى ثقافة التنافس الحقيقى بدءاً من الإعلام الرياضى ثم الإدارة واللاعبين والذى انعكس ذلك كله على جمهور المشاهدين وأخرج لنا لوحة سيئة أمام العالم الذى شاهد هذه المباراة ولم نكن نتمنى ذلك.
فليتنا نرى مادة تدرس فى مراحل التعليم المختلفة عن قواعد التنافس لكى نكتسب ثقافة التنافس، لعل ما نراه فى تلك الساحات من مظاهر التعصب الأعمى تختفى رويداً رويداً ويصبح التنافس عاملاً للبناء وليس عاملاً للهدم.
إنه التنافس..