تأملات
أبعاد زيارة ديسالين.. محاولة للفهم!
رغم أنه لم يتم الكشف عن الكثير من التفاصيل بشأن ما جرى خلال محادثات رئيس وزراء إثيوبيا السابق والمبعوث الخاص لرئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد في القاهرة منذ يومين، إلا أن المتابع لمسار المفاوضات بشأن سد النهضة التي تجرى في واشنطن يمكن أن يستنتج من الآن أبعاد الموقف في حدود معينة. في تقديري ، وأتمنى من كل قلبي أن أكون مخطئا، أن الزيارة وأجواء المفاوضات تشير إلى أن نهاية فبراير الجاري – أي بعد ثلاثة أيام بالتحديد – ليست موعدا مقدسا، في منظور اثيوبيا بالأساس، لإبرام اتفاق ينهي ماراثون المفاوضات التي جرت على مدار الشهور الماضية بتدخل من الولايات المتحدة ثم البنك الدولي، وهو أمر ربما يدلل عليه تصريحات سودانية أشارت إلى احتمال توقيع الاتفاق النهائي في مارس دون تحديد توقيت معين خلال ذلك الشهر.
وعلى ذلك يمكن القول إن زيارة ديسالين كمبعوث، وديسالين بالذات باعتباره تولى المسئولية في اثيوبيا خلال ذروة تصاعد أزمة ملف سد النهضة، ربما تشير إلى تمسك أديس أبابا بمواقف متصلبة تحاول إقناع القاهرة بها، أو محاولة تليين المواقف المصرية أكثر مما هي عليه ورغم كل مظاهر المرونة التي أبدتها القاهرة خلال المفاوضات وتؤكدها مواقف كافة المسئولين المصريين بدءا من الرئيس السيسي، وانتهاء بأصغر مسئول يشارك في المفاوضات.
ومن المؤكد أن هذه المواقف التي جاء ديسالين لطرحها مسائل تتجاوز دور الفرق الفنية والدبلوماسية المنخرطة في المفاوضات وتتطلب التعاطي معها على مستوى رئاسي، وهو الأمر الذي ربما يكون سامح شكري وزير الخارجية أشار إليه عرضا في تصريحات سابقة له منتصف الشهر الجاري حين ذهب إلى أنه سيتبقى بعض الأمور الجوهرية التي تحتاج تلقي موافقة واضحة من الدول الثلاث والتي على أساسها سيتم تحديد الموعد والمكان وطبيعة مراسم التوقيع بشكل تتوافق عليه الدول الثلاث، غير أنه حتى تلك التصريحات جاءت في سياق أن التوقيع سيتم نهاية فبراير!
لن نعيد هنا ما كتبنا عنه من قبل وما هو معروف من تطورات بشأن تحديد نهاية فبراير كموعد ثالث – وأخير - بعد موعدين سابقين لتوقيع الاتفاق، وهو ما أكدت عليه مصر بالإشارة إلى أنه ليس هناك جولات مفاوضات جديدة بعد هذا التاريخ أو حسب تعبير وزير الخارجية « المفاوضات انتهت». غير أنه ما يعزز الرؤية التي نشير إليها بخصوص أن نهاية فبراير ليس موعدا مقدسا أنه حتى اللحظة لم يصل إلى الدول الأطراف في المفاوضات نص الاتفاق الذى يتم إعداده بالتنسيق بين الولايات المتحدة والبنك الدولى، والمقرر إرساله للدول الثلاث للنظر فيه، في ضوء ما اقترحه الجانب الأمريكي من أن يقوم بطرح صيغة متكاملة تتضمن كافة العناصر وتصل لنقطة من المرونة تراعي مصالح الدول الثلاث بشكل متساو.
وعلى هذه الخلفية، المتعلقة بعدم الانتهاء من نص الاتفاق، اعرب اجتماع اللجنة العليا لمياه النيل الذي عقد الخميس الماضي برئاسة د. مدبولي عن تطلع مصر للحصول على هذا النص، في ذات الوقت الذي نفي فيه وزير الري والموارد المائية السوداني ياسر عباس، ما تردد حول تسلم الخرطوم لمسودة الاتفاق المشار إليه.
وإذا كان السؤال الطبيعي الذي يرد على هذه الرؤية هو أبعاد الحكمة من العجلة في موضوع بمثل هذه الحيوية بتحديد موعد نهائي للتوقيع، فإن الإجابة تأتي من المسئول الاول عن السياسة الخارجية المصرية سامح شكري أيضا والمنغمس بشكل كبير في هذا الملف وتتمثل في أن المفاوضات استغرقت نحو 5 سنوات تقريبا حتى الآن وهي مدة طويلة لتناول قضية بهذا القدر من الأهمية والتأثير على شعوب الدول، هذا فضلا بالطبع عن أن كل تأخير يضفي مزيدا من فرض أمر واقع في عملية بناء السد والبدء في ملئه مما يزيد الأمور تعقيدا!
دون الدخول في تفاصيل فنية تزعج القارئ وربما يكون كاتب هذه السطور ليس على الدراية الكافية بها، تتضح أبعاد الموقف وما يشير إليه من دلالات بشأن الموقف الأثيوبي الذي نراه متعنتا من حقيقة أنه تم الاتفاق على جوانب رئيسية بشأن قضايا التفاوض خاصة الجوانب الفنية المرتبطة بالاتفاق فيما يتعلق بملء وتشغيل السد والقواعد التي تحكم مجابهة الجفاف والسنين الشحيحة في الماء، وكان هناك اتفاق على أنه تم الانتهاء من هذا الجزء وأصبح مغلقا أمام المفاوضات، ما يثير التساؤل حول ما قد يبدو للشخص العادي من تحفظ أديس أبابا على إتمام عملية التوقيع؟
من الواضح أن أثيوبيا تنظر للمفاوضات على أنها مباراة صفرية تسعى من خلالها إلى تحقيق كل شيء، رغم أن المفاوض المصري يبدي مرونة بالغة تصل إلى حد قبوله أو اعترافه بأن الصياغات الأمريكية للاتفاقية النهائية لن تكون في صالح مصر بنسبة 100% ما يعني قبوله بجانب من الضرر. وفي هذا الاتجاه كانت تصريحات الرئيس السيسي خلال استقبال ديسالين مؤكدة التزام مصر بالسعي نحو إنجاح المفاوضات الجارية بمسار واشنطن، وأنه مع قرب التوقيع على الاتفاق بشأن قواعد ملء وتشغيل السد، فإن ذلك من شأنه أن يحفظ التوازن بين مصالح جميع الأطراف. السؤال الرئيسي في تقديري بغض النظر عن ضعف احتمالاته هو ماذا لو رفضت أثيوبيا صيغة الاتفاق الأمريكي؟ لا شك أن ذلك يدخل بالمفاوضات في متاهة جديدة، وهو أمر لا أتصور أنه يغيب عن ذهن المفاوض المصري!