خارج السطر
سيد قطب.. وتصحيح ضرورى
ويبقى سيد قطب شخصا أسطوريا، رسم الطريق وعبّده، ووضع معالم لكل إرهابى يستعين بها للمضى نحو الخراب.
وخيرا فعل فيلم « قطب» الوثائقى الذى أنتجته وعرضته مؤخرا قناة « دى إم سى»، وكتبه الكاتب المجتهد أحمد الدرينى، عندما عاد إلى نصوص تحقيقات قضية 1965 ليركز عليها وهى نصوص تحتوى تفاصيل مدهشة تثبت اتساق العمل بالقول، وتدحض أى تصورات ساذجة للبراءة من الدم. ومعنى ذلك أن أقوال سيد قطب بتكفير المجتمع والاعتداء على الآخر، لم تكن مجرد أقوال وإنما صاحبتها أفعال تمثلت فى شراء الأسلحة والمتفجرات ورسم مخططات لتفجير القناطر الخيرية والمنشآت العامة واغتيال رجال الدولة.
وكثير من الناس على مدى سنوات أن سيد قطب أعدم بسبب أفكاره، وأن جمال عبدالناصر أمر بتلفيق القضية له للتخلص منه، وأتذكر أن حلمى النمنم وزير الثقافة السابق نفسه كان له كتاب عن سيد قطب وثورة يوليو يقول فيه إن عبد الناصر أخطأ بإعدام سيد قطب، وكأن اعدام الرجل لم يكن حكما قضائيا، وإنما قرار لرئيس جمهورية، ما يحمل تشكيكا فى إدانة التنظيم بالإرهاب.
وقراءة نصوص القضية الآن وهى 24 ألف ورقة شارك فيها 9 وكلاء نيابة من أكفأ رجال القضاء تكشف أن التنظيم ليس زائفا، خاصة أن مواجهات عدة أجرتها النيابة بين أعضاء التنظيم وأقروا فيها بما دبروه، وأن اعترافات على عشماوى أحد أفراد التنظيم كشفت حجم التخريب والدمار المنتظر للبشر والحجر كإحدى وسائل الانقلاب على السلطة.
وإذا ناقشنا بهدوء وروية فرضية تلفيق القضية أو انتزاع اعترافات مصطنعة تحت تأثير الضغوط، فإننا سنصطدم بوثيقة أخرى بخط يد سيد قطب نفسه، عنونت فيما بعد بـ«لماذا أعدموني» يسجل فيها شهادته كاملة على التنظيم وقد كتبت فى السجن بعد الحكم عليه، وظلت تلك الوثيقة فى حوزة محمد حسنين هيكل حتى بداية التسعينيات عندما قدمها وقتها للكاتب فهمى هويدى وقام بعرضها فى جريدة « المسلمون» الدولية.
وهذه الوثيقة تحديدا لا يمكن أن يكتبها سيد قطب تحت أى إكراه لأنها كتبت بعد الحكم بإعدامه، ويظهر الخط هادئا منمقا لا يشى بأى اضطراب أو إنهاك، وكأن صاحبها ينتظر الموت وهو سعيد به وموقن بأنه يستحقه، وهو فيها يعترف صراحة بأن التنظيم قرر شراء السلاح للدفاع عن الحركة الإسلامية ضد أى اعتداءات منتظرة للسلطة، وأنه أقر خطة كانت موضوعة لردع الدولة بسبب اعتداءاتها على طليعة الدعوة.
والغريب أن الناس لا تقرأ ولا تبحث ولا تدقق وتستقى معظم آرائها سماعيا، لذا فقد ألصق الإخوان مصطلح «شهيد» بسيد قطب، كلما ذكر، وكان من الموجع فى ظل زمن الصعود الدينى المجتمعى أن يصدر كثير من مؤلفات الرجل ويتصدرها كلمة «الشهيد» كأداة تسويق فعالة ووسيلة لصناعة قداسة حقيقية. ولم يكن غريبا أن يصل الأمر بسيدة الإخوان زينب الغزالى فيما بعد أن تكتب فى كتابها الدعائى « صور من حياتي» واصفة سيد قطب بالشيخ العلامة المفسر المجدد المفكر الشهيد والمجاهد الكبير...
وفيما بعد قرأنا أن سيد قطب شنق بتحريض من المخابرات الأمريكية وتارة أخرى من المخابرات السوفيتية، رغم أن الرجل لا يختلف كثيرا عن عادل حبارة أو عاصم عبد الماجد أو خالد الإسلامبولى. إنه فى تصورى قاتل تدثر عقودا تحت أقنعة الأديب والشاعر والناقد.
والله أعلم.