خارج السطر
قال لى «آلان دونو»
جميل أن تقرأ ما يصدمك كما يقول «كافكا».. رائع أن يتغلغل كاتب لا تعرفه داخل نفسك، يستمع إلى أسئلتك المتقاذفة ويجيب عنها دون أن يعرفك أو يسمع بك.
يفعلها «آلان دونو» المفكر الكندى فى كتابه الحديث «نظام التفاهة» والذى يحلل فيه ظاهرة صعود التافهين وتقدمهم الصفوف وتسيدهم ولمعانهم وجنيهم الأموال والنفوذ.
لا تعجبوا إن رأيتم قوادا يعلم الجميع أنه قواد نجم فى المجتمع. لا تندهشوا إن عرفتم لصا يحترمه الناس، فينادونه بلقب «دكتور» أو«أستاذ». لا تستغربوا تسيد الأسافل وصعود التافهين وتلألؤ منعدمى الأخلاق، فالكون يسمح بذلك، والعصر يحرض عليه، ووقائع الحياة تدفعنا دفعا أن نشارك فى صناعة أبطال من ورق، وعظماء من لاشىء عبر وسائل الميديا الجديدة.
الربح السهل، الثراء السريع، النجومية المفاجئة كلها مصطلحات تتسق بالعصر وتجعل من التافهين مشاهير، أثرياء، ومحترمين.
يقول «آلان دونو» إن نظام الرداءة والتفاهة يسمح لإنسان تافه وجاهل بأن يتاجر فى المخدرات، ويعمد إلى تبييض أمواله، فيبنى مستشفى يُشغل فيه الأطباء، أو يُشيد مدرسة أو جامعة تُشغل مدرسين وأساتذة، أو يُنشئ شركة مقاولات يُوظف فيها مهندسين، فيغدو هذا التافه النكرة رمزا وقدوة فى المجتمع، بل صاحب الرأى والمشورة والسلطة والقول؛ أمرا ونهيا.
والمشكل أن صعود الأسافل يقطع سبل الأمل لدى المجتهدين الجادين من الشباب، يبدد أحلامهم، ويسرق طموحاتهم ويدفعهم دفعا إلى القنوط واليأس، فنرى منهم منتحرين، ونرى إرهابيين يبثون الكراهية لكل شىء وأى شىء.
إن كثيرا مما نعتبره نتاج حداثة وتطور وتقدم ليس كذلك، وهناك مصطلحات أساءت للقيمة وقوضت معانى الأشياء على رأسها مصطلح التريند، فسرنا مُسيرين خلف التافهين نحاكيهم ونكرر تفاهاتهم بحثا عن اللمعان، ما أفرغ القيم من معانيها.
ومن الضرورى أن نقاوم كما يقول دونو، أن نرفض، نخاصم التفاهة وننكرها، نعيد للفضائل معانيها، ونجدد الثقة بذواتنا وبمعانى الجهد،الكد، والموهبة لنعيد للأشياء جمالها.
قبل شهور كنت أجلس فى أحد فنادق القاهرة، ووجدت شبابا وفتيات يصطفون حول شاب تبدو عليه علامات الاستعلاء يتحدثون إليه فى وله غريب. وسألت أحد الشباب عمن يكون النجم القدوة، فقال لى إنه فلان «اليوتيوبير» الذى قلب «بفيديوهاته» الساخرة هو وزوجته الدنيا وحقق ثروات بالملايين بسبب اقبال المشاهدين على حسابه، وتذكرت أننى رأيت إحدى حلقات النجم وهو يسخر من المصريين الذين يقضون إجازة الصيف فى بلطيم أو جمصة أو الإسكندرية، بينما يلف هو وشريكته العالم تمتعا بالجمال والمال.
وقال لى «دونو» إنها طبيعة المرحلة، سمة العصر، وموضة الزمن الآنى. أن يتمدد اللا شىء إلى شىء كبير، لافت، مُضىء، لمّاع، شديد التوهج. يلتفت الناس لسفاسف الأمور، ينشغلون بتسريحة شعر ممثلة، أو «نيولوك» مطرب. يقفون احتراما لقواد ولص وجاهل، ويصفقون لما لا يستحق نظرة قبول.
قال لى «آلان دونو» قاوم ثم قاوم ثم قاوم، فالزبد يذهب جفاء، وما ينفع الناس يمكث فى الأرض.
والله أعلم.