بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

سلالم

3 طرق للإصلاح الضريبى: الثقة.. الثقة.. والثقة

 

 

 

لا يمكن أن تسأل أى مستثمر فى مصر عن أفضل وزير مالية عرفته البلاد فى تاريخها الحديث دون أن تسمع اسم يوسف بطرس غالى، ذلك الرجل الذى شاء حظه أن يُسدد فواتير تحول سياسى لم يكُن سببا فيه.

لكن، لماذا الإجماع -وهو مصطلح فقهى مُستحيل الحدوث- على تقدير مجتمع الأعمال للرجل واتفاقهم على كونه اقتصاديا عظيما يعرف كيف يفيد بلاده دون أن يُحمل أحدا ما لا يطيقه؟

الإجابة ببساطة لأن الرجل حقق الصعب، وفتح الباب أمام الاستثمار بمبدأ خلق الثقة، فقبل 2004 كان الاعتقاد السائد لدى الحكومة والاقتصاديين أن خفض الضرائب يؤدى بالتبعية إلى خفض إيرادات الدولة، لكنه كان يرى العكس.

 كان سعر الضريبة المطبقة على الدخل يصل إلى 40%، وكانت إيرادات الضرائب فى مصر فى حدود 33 مليار جنيه، لكن الرجل قرر تخفيض سعر الضريبة إلى 20% فقط، ولم تنخفض الحصيلة إلى النصف مثلما توقع الأكاديميون، بل على العكس ارتفعت الحصيلة فى أول عام لصدور القانون 91 لسنة 2005 لتبلغ 54 مليار جنيه.

وفى السنوات التالية لتطبيق القانون واصلت الحصيلة ارتفاعها لتصل إلى 66 مليار جنيه سنة 2006ـ2007، ثم إلى 76 مليار جنيه فى سنة 2007ـ2008، ثم إلى 90 مليار جنيه فى سنة 2008ـ 2009 وهى الآن فى حدود 305 مليارات جنيه.

كذلك كانت أوعية ضرائب الدمغة تبلغ 22 وعاء وقرر «غالى» تقليصها إلى 13 وعاء فقط فزادت الحصيلة من 3.8 مليار جنيه قبل إجراء التعديل إلى 6.2 مليار جنيه سنة 2008.

وبفضل تلك الإصلاحات، وما تبعها فإن الضرائب تمثل الآن نحو 76% من إيرادات الحكومة.

إن عبقرية الاقتصادى تتجلى هنا فى خفض العبء وزيادة الحصيلة، فالذين يتهربون من الضرائب لا يجدون مبررا لذلك التهرب عندما تنخفض نسبة ما يسددونه إلى 20%. فضلا عن ذلك فإن بناء الثقة بين الدولة والممولين كانت ضرورة لجذب استثمارات جادة وحقيقية من مختلف أنحاء العالم.

 لقد كان خفض سعر الضريبة فاتحة خير على البلاد لتشهد خلال سنوات ما بعد الألفية تدفقا كبيرا وتوطنا لكثير من الشركات العالمية فى مصر.

غادر يوسف بطرس غالى الحكومة فى 2011 وجرت تحولات سياسية وتعرضت البلاد لمحن عديدة بدأت مؤخرا تستفيق منها، لكن منظومة الضرائب مازالت تحتاج إلى موجات جديدة من الإصلاح، أهمها استعادة الثقة مع الممول، وترسيخ مبدأ أن الضرائب ليست مجرد وسيلة جباية، وأنه لا يُمكن العودة لفكرة التقدير الجزافى مهما كان.

لقد جربت دول مثل جورجيا، ليبريا وأوكرانيا إصلاحات ضريبية ركزت على رفع كفاءة الجهاز الضريبى البشرى وتوسيع الاعتماد على الخدمات الإلكترونية ونجحت فى مضاعفة الحصيلة، فى الوقت الذى مهدت فيه الطريق لاستثمارات عالمية لتحط لديها.

إن المنظومة الضريبية هى إحدى الأدوات الفعالة فى تحفيز وتشجيع الاستثمار المحلى والأجنبى، وإصلاحها إصلاحا حقيقيا يحتاج لجرأة ووعى وإرادة، وهو طريق لابد من قطعه إن كنا نتطلع إلى تنمية مستدامة.

والله أعلم.

[email protected]