بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

ما صنعه السلطان قابوس

 

 

 

عندما مات الإمام الشافعي سنة204 هجرية علقت السيدة نفيسة على وفاته قائلة «رحم الله الإمام الشافعي فقد كان يُحسن الوضوء»، وكأنها استطيبت خصلة وحيدة من خصال حسنة في الرجل، فرجت بها رحمة الله له.

وقبل أيام رحل السلطان قابوس، أقدم حاكم عربي، وهو رجل مشهور بالحكمة والعقل النير والقدرة على إصلاح بلاده وعصرنتها، وتجنيبها مخاطر الحروب، والتركيز على تعليم الشعب تعليمًا جيدًا، لكن هناك خصلة من خصال الخير أقف عندها كثيرًا وأراها جديرة بكل تقدير واحترام  وأتمنى أن يحوزها  كافة  الحكام في بلدان العرب، وهي دعمه اللامحدود للثقافة.

لقد كان إيمان الرجل بالثقافة والإبداع طريقا لزرع قيم التسامح والتعايش السلمي وقبول الآخر في نفوس العمانيين، لذا فإنك تجدهم اليوم أكثر العرب رفضًا للتعصب، ونبذًا للفكر الأحادي، وقبولاً للآخر.

وحسبنا أن الرجل أنشأ في 2011 جائزة نموذجية في الآداب والفنون، وطرحها لمن قدموا إبداعًا قيمًا سواء من العمانيين أوالعرب.

وحسبنا أيضًا أنه فتح الباب لحرية الابداع في مجتمع ظل قروناً نموذجًا للقبلية التقليدية، فشجع الأدب والفنون، وحرر النشر، وساند حرية الكتابة والوسطية، ودعم حركة الترجمات للفكر والإبداع عن كثير من اللغات الأجنبية، مما أولد زخمًا إبداعيًا حقيقياً في المجتمع العماني بدأت قبساته تخرج للعلن مؤخرا.

وليس أدل على ذلك من أن روائية عمانية هي  جوخة الحارثي فازت في العام الماضي بجائزة مان بوكر الأوروبية عن رواية «سيدات القمر» بعد ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، لتسجل أول اقتناص عربي لواحدة من أهم جوائز الأدب العالمي بعد نوبل. لقد نقلت الرواية واقع المجتمع العماني، بقيمه، وأصالته، ونبله، وثقافته للعالم الذي لم يكن يعرف عنه، فأدهشته وأثارت الجميع.

 إنني أتذكر قبل سنوات زرت في واشنطن مركزًا بحثيًا كبيرًا يحمل اسم الشرق الأوسط، معني بدراسات الإصلاح والتسامح، ويعتمد على مجموعة متميزة من الباحثين، وهناك وجدت أكبر مكتبة للمخطوطات العربية والإسلامية تضم آلاف الكتب النادرة والوثائق التاريخية، وسألت عمن ينفق على هذا المكان فعرفت أنها سلطنة عمان.

وفي زيارة تالية لواشنطن لفت نظري في أحد الشوارع الرئيسية في وسط المدينة مبنى ضخم يأخذ سمت العمارة الإسلامية، ودخلت ومعي صديقي الكاتب مصباح قطب لنستفهم عن ذلك المبنى الفريد، وفوجئنا أنه مركز ثقافي عماني معني بالحضارة العربية ويضم لوحات وتحفًا فنية تعبرعن حضارة العرب، وتروج للأصالة العربية والحضارة الإسلامية بتصوراتها الثقافية، وهالنا أن نجد باحثين عن المعرفة من كافة الجنسيات زائرين للمركز.

كان من الواضح أن السلطان قابوس الذي تولى الحكم وهو في الثلاثين من عمره يحلم بوطن متحضر، بعيد عن الصراعات الإقليمية، يتمتع أهله بتعليم جيد، وخدمات كافية، لذا فقد أسس مشروعه لنشر الثقافة والتسامح وتشجيع الإبداع كسبيل للرقي والتقدم، وهو ما نجح فيه بلا شك.

فمن يطالع الأدب والثقافة العمانية اليوم يعرف يقينًا كم قطعت من مسافات طويلة في زمن قياسي جمالا وفكرا ورقيا.

فرحمة الله على السلطان الراحل، فقد كان يتبنى الثقافة ويدعم الابداع.

 

 [email protected]