الغرام والانتقام عند المصريين
أكثر الشعوب تناسلا، معظمها يمارس الحب بمشاعر الانتقام وليس الغرام. الطبقات الأكثر فقرا أكثر انجابا لدوافع اقتصادية، لأن أبناءهم الذين قد لا ينالون حظا كبيرا من التعليم سيعملون من صغرهم ويصبحون مصدرا للدخل. هؤلاء يتحدون سوء الأحوال بكثرة العيال.. معدلات الانجاب تقل فى الطبقة المتوسطة وتقل أكثر بين أفراد الطبقة الأكثر ثراء.. البهجة والفرح والدهشة مشاعر فى المجتمعات شديدة التكاثر ليست ضرورية لجودة الحياة أو لمنحها مبررات الاستمرار.. المجتمع مثل الفرد يمرض ويكتئب ويشعر بالوحدة والعزلة وتصيبه بشكل جماعى سكتة عاطفية تقعده عن كل شيء الا أن ينجب ويتكاثر، بمعنى أن العدد فى تصاعد والعواطف فى هبوط.. المحصلة أن 25 مليونا من المصريين فى الخمسينات كانوا بصحة نفسية أفضل من 60 مليونا فى الثمانينات، واليوم 100 مليون مصرى بالتأكيد أقل شعورا بالرضا عن حياتهم ممن سبقوهم فى الأيام الخوالي.. يقول المفكر الفرنسى أندريه مارلو – الحياة فن – وله كتاب يحمل عنوان فن الحياة.. الفن توأم المشاعر الرقيقة والقيم السامية، ولأنه فى مصر أصبح سلعة ضنت بها الأيام علينا، فالمشاعر فى المقابل دهستها الأقدام الثقيلة لفقر معلوم السبب، وغنى مجهول النسب.. عندما يتجمد الحب فى ثلاجة الزمن يفقد خواصه الطبيعية، وتصبح الحياة مجموعة من المعلبات العاطفية التى نرميها بلا اهتمام بعد الانتهاء من لذة الطعام أو الارتواء.. أى مجتمع يعتبر البوح بالحب خيانة للشرف وتكفين العواطف إرضاء للسلف هو مجتمع بحاجة للتأكد من حقيقة وجوده على قيد الحياة..
دراسة بديعة عن الحب عند قدماء المصريين للباحث الأثرى محمد جمال ترينا كيف كان يحب قدماء المصريين وماذا كان الحب بكل صوره يمثل لهم.. الدراسة قامت بمسح شامل للتمائم الفرعونية والصور بالمعابد ونقلت من لفائف نصية بمتحف تورين بإيطاليا والمتحف الملكى البريطاني، وكلها تظهر الى أى مدى قدماء المصريين اعتبروا الحب طقسا من طقوس حياتهم وديانتهم .. وفى بردية بمتحف تورين نص يصف لقاء حميميا جمع الملكة حتشبسوت بالملك أمنحتب يقول "استيقظت الملكة عندما استنشقت العطر الالهي، وابتسمت له…كان الاله مشتهى لها وأعطاها قلبه. وسمح لها الاله بأن تراه فى هيئته الالهية الحقيقية، وقام بالاقتراب منها فابتهجت لفحولته وحبها له تدفق فى جسدها، عند ذلك قام الاله بما أراده منها، وبعد أن جعلت الاله مبتهجا منها قامت بتقبيله وقالت له: كم من الرائع أن أراك وجها لوجه، لقد اجتاحتنى قواك الالهية وماؤك اصبح داخل أعضائى".. المناظر المصاحبة لهذا النص مرسومة على جدران معبدى الدير البحرى والأقصر شارحة بألوانها يوميات ممالك الحب عند أجدادنا الأوائل المؤسسين لمعنى الحياة وأنسنة الكون.. وهل يمكننا أن نفصل بين قدسية الحب عند المصريين القدماء وبين عبقرية ما خلفوه من روعة البناء بشكل يوحى بأن من أبدع هذه التراث الإنسانى لا يمكن أن يكون مجتمعا محبطا مخاصما للسعادة .. إنه بالتأكيد كان مجتمعا منقوعا فى الخيال والتأمل والانشغال بما وراء الكون . المجتمع التى يحنط جثث موتاه انتظارا لبعث جديد لا يمكن أن يكون مجتمعا مقهورا أو فاشلا عاطفيا.. المجتمع الذى يشد الرحال اليه صفوة فلاسفة اليونان ليتأملوا سر الدنيا ومعناها من جوار نهر منحه المصريون الأوائل معنى الخلود وليس العكس هو مجتمع فجر الضمير والمشاعر ونشوة الحب الأولى.. المجتمعات التى تحترم مشاعرها الى حد التقديس يتحول تعلقها بالحياة الى طاقة هائلة للإبداع والعبقرية التى احتفظت الصخور بنقوشها وحروفها من آلاف السنين.. ليس المهم إذن أن نحيا حياة طويلة بعدد السنين وقصيرة وفقيرة فى مساحة المشاعر.. ربما كان عمر المصرى القديم قصيرا قياسا بأعمارنا اليوم، ولكنه مازال حيا بيننا بما تركته لنا عبقرية خياله التى روضت الحجر وأنطقته، فى حين فشلنا نحن أن نروض حتى أنفسنا وتركناها تموت آلاف المرات داخل سجون ورثناها وأخلصنا الصلاة لجلاديها.