ضوء فى آخر النفق
الرقص مع الأشباح!
أطلق المخرج والناقد المسرحى المعروف عمرو دوارة قذيفة فى وجوه رواد منتدى الشعر العربى الجديد! المنصة اكتملت والرواد ملأوا القاعة، ومنوا أنفسهم بالإنصات لرؤى نقدية لنصين مسرحيين جديدين، صدرا للشاعر والناقد د. محمد السيد إسماعيل هما «رقصة الحياة» و«زيارة ابن حزم الأخيرة»، الصادرتان عن هيئة قصور الثقافة، لكن قذيفة «دوارة» ألجمت الحضور.. صدمتهم.. ووضعتهم أمام الواقع المرير الذى يفجع الجميع، حيث الفرص متاحة أمام بعض القوم فقط، ومسدودة أمام الأغلبية الساحقة، التى يتعين عليها أن تحفر فى الصخر من أجل فرصة،وهكذا فى أغلب القطاعات والمجالات، فالشللية التى تحيط بكل داوئر ومجالات العمل تتحكم وتستفحل وتبدو وكأنها اتفقت منذ زمن على أن تقتسم فيما بينها كعكة الوطن، تاركة فتات بعضه لمن كانت لديه قدرة على المراوغة والمناورة والمخاتلة واقتناص اللحظات إياها التى يدلف منها إلى العالم الآخر،الذى يمتلك كل مفاتيح الحياة فى مصر من السلطة والثروة والنفوذ إلى فرصة التحقق والعمل والرزق.
قال عمرو دوارة بصوت غاضب لا يتسق مع ملامحه الهادئة: تعرض على مسرح الهناجر الآن مسرحية «اهتزاز».. للمؤلفة رشا فلتس. والعرض على مسرح الهناجر هذا فرصة لا ينالها العديد من المبدعين، لكن «رشا فلتس» نالتها مرتين، لأنها ابنة الدكتورة هدى وصفى! وذكر دوارة أسماء مسرحيين يستحقون مثل هذه الفرصة،منهم الكاتب والباحث المسرحى سليم كوتشينر (أو الغول المسرحى كما أسماه)، وله نحو ثلاثة عشر نصاً قدمت على مسرح هيئة قصور الثقافة،إلا أنه لم يحظ بفرصة فى الهناجر كتلك التى أتيحت لرشا فلتس مرتين، والسؤال هو: هل هى موهوبة جداً، أم أنها مدعومة جداً؟
مع التقدير العميق لدور الدكتورة وصفى ومشوارها وعطائها فى الإبداع الفنى، إلا أن السؤال الذى يطرح نفسه هنا هو أنه وبصرف النظر عن مدى تمكن الابنة رشا فلتس من أدواتها كمؤلفة مسرحية ليس لديها من أعمال سابقة سوى عرض «بارانويا»، إلا أنها تحظى بهذه الفرص ودونما مشقة، فكيف يقبل بذلك الفنان خالد جلال رئيس قطاع شئون الإنتاج الثقافى الذى تتبع له إدارة مسرح الهناجر؟ يحصل هؤلاء على الفرص، بينما لا يجد مبدعون فرصة مماثلة،حتى أن «دوارة»حفز محمد اسماعيل للنضال كى تجد مسرحيتاه طريقهما إلى العرض الجماهيرى..باعتبار أن المسرح لا يكون مسرحاً إلا إذا وجدت النصوص طريقها إلى التمسرح.
والحقيقة أننى عندما قرأت النصين المسرحيين لمحمد اسماعيل - وهو شاعر بالأساس- وليس له من سابق أعمال مسرحية سوى واحدة فقط أسماها «السفينة» أخرجها عمرو دوارة- توقفت لأتساءل عن مدى قدرته على الولوج إلى عالم المسرح، وفاجأنى بالفعل بنصيه المدهشين، المليئين بالرمزية،فأحدهما يتحدث عن كوابيس مرعبة يستيقظ عليها الناس، تداهمهم خلالها«الأشباح السوداء» وكأنهم زوار الفجر، والثانى يستدعى العصر الأندلسى، بكل أسباب انهياره وضياع قرطبة، استدعى بعض أئمته، كالتوحيدى وابن حزم وابن حيان، وجاب بهم مدننا فى العصر الحديث؛ لنكتشف أننا أمام نفس مسببات اضمحلاله، حيث الإرهاب والرشوة والفساد والفتيا المشبوهة.. وحيث القتل والترويع والقمع فى السجن الكبير، وحيث تتجلى مظاهر اهتراء الدولة، وهو ما نراه يعرض بنجاح ساحق كل ليلة على جميع مسارح وساحات الوطن!