بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

«وغنّى الحمار»

 

إذا كان «ابن خلدون» قد تحدث فى مقدمته الخالدة عن علم الاجتماع وبداية العمران أو الحضارة وربط بين الغناء كفن وصناعة تزدهر بعد أن تكون الحضارة قد اكتملت بالعمل والجهد والصناعات والتألق فى الملبس والمأكل والإبداع والإنتاج الفكرى والثقافى والعلمي، فإن الغناء يكون آخر تلك الصناعات التى تنشأ وتنمو مع العمران والحضارة ويسودها العدل وتداول السلطة وليس الظلم وارتكاز الحكم فى شخص حاكم واحد، وأكد أيضاً «ابن خلدون» أن أول مظاهر زوال وسقوط العمران وانهيار الحضارة فى أى بلد هو انهيار صناعة الغناء لأنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمعنى ومفهوم الحضارة والعمران الذى هو عكس البدائية و الهمجية وهو ما يفرق الإنسان المتحضر عن باقى الكائنات والحيوانات.. لذا فإن الحكيم فى مسرحيته العبثية «يا طالع الشجرة» واستلهامه للموروث الشعبى «هات لى معاك بقرة تحلب وتسقينى بالملعقة الصيني» أشار إلى عبثية البقرة فى أنها قد صعدت مثل العصافير المغردة إلى الشجرة وطارت بجناحين فى الهواء...

هذا هو حالنا من انهيار العمران والحضارة كما وصف «ابن خلدون» وكما كتب الحكيم عن البقرة الطائرة على أغصان الشجر فقد هرمنا وتعبنا من مواجهة عشوائية الفن حتى أصبحنا نغرد خارج السرب من أفلام «السبكي» واللحم الرخيص والأبيض والأحمر و«خالد يوسف» وعشوائية شخوصه وحارته وانحطاط اللغة والحوار والمشاهد وتدنى الغناء والرقص إلى درجة الابتزال والامتهان لكل المشاعر والقيم والسلوك، وهجوم المرتزقة من المنتجين ومدعى الفن والتفنن حتى وصلنا إلى حالة البانجو والتغيب فيما يسمى أغانى المهرجانات التى ملأت الشوارع والميكروباص وانتقلت من العشوائيات والحوارى إلى النوادى والساحل الشمالى وحفلات بعض الجامعات وتم تكريم كل من يسيء إلى الفن الحقيقى والإبداع وصناعة السينما وصناعة الغناء من قبل سلطة وهيئات حكومية وتعليمية ومجتمع مدنى والرد دوماً «الجمهور عاوز كده»!!  مقولة ساقطة وخادعة وكاذبة لأن الجمهور الحقيقى يريد الفن الراقى والدليل على هذا أنه وإن عاش لحظة توهان وغربة وعبث ورفض لما هو حقيقى وجميل وراق الا أنه دوماً ما يحن ويتوق إلى الفن الأصيل والطرب والكلمة ذات المغزى والمعنى والصوت الشجى الواضح النقي، وأكبر علامة أنه يتم إعادة غناء أغانى كبار النجوم بأصوات فجة قبيحة وتوزيعات موسيقية رديئة مسيئة إلى كلاسيكيات الفن المصرى ومع محاولة من نقابة الموسيقيين وقف هذه المهازل وتصاريح الغناء لكل كائن يعتقد أنه مطرب ومغن لهؤلاء المغيبين الرافضين الغاضبين تحت تأثير الفقر والجهل والمخدر فإنه يلقى التهديد والوعيد بالضرب والثورة لأنه لا يوجد ضابط ولا رادع ولا حسم فى المواقف وتوافق فى الرؤى وفى التوجه بين مؤسسات وجهات الدولة، ما ينذر بسقوط العمران وزوال بواقى الحضارة الإنسانية فى مجتمعنا المعاصر.

إن أزمة الفن والإبداع هى جزء من أزمة التعليم والثقافة والإعلام وجميعها صناعة بشرية تتعلق بالفرد وبنائه ونشأته وتكوينه العقلى والفكرى والوجدانى والسلوكى... وهذا ما نظل نطالب به من بناء حقيقى للبشر وتجفيف منابع التدنى والعشوائية فى كل شيء.... فإذا طارت البقرة فلا عجب أن يغنى الحمار.