جسور المواطنة
هل نحن جميعاً شركاء فى بناء هذا الوطن أم نحن مفعول بنا؟ هذا هو السؤال الذى يجيب عن جميع التساؤلات والإشاعات وتلك الفوضى المتعمدة وهذا الهجوم الذى بدأ على مقدرات واستقرار هذا الوطن لأن القضية الأساسية هى علاقة الحاكم بالمحكوم وهل العلاقة تكون قائمة على الحب فقط أم على الحب والتعاون والاحترام؟ فعلاقة أى حاكم بوطنه من المفترض أن تكون علاقة تبادلية حيث يستمد الحاكم شرعيته واستمراره من رغبة الشعب فى البقاء على رأس الحكم ليدير أمور الوطن ومقدراته ولأن مصر دولة حكم عليها منذ القدم أن تحكم بحكام غير مصريين وأن يتبادل الحكم على عرشها دول ودويلات رومانية وبيزنطية وإسلامية من أمويين إلى عباسيين وفاطميين ومماليك بحرية وبرية وعثمانية واحتلال بريطانى وغزو فرنسي.
لم نتخلص بداخلنا من فكرة أن السلطة هى العدو وأن الحاكم أياً كان هو من يمثل الجانب العدائى وأن الشعب المصرى أو المواطن المصرى يقف دائماً على الجانب الآخر من حافة النهر ويأمل فى التخلص من هذا الحاكم الذى يتم تصويره وتجسيده دوماً فى صورة الظالم الديكتاتور الذى يعمل لمصلحته ومصلحة المجموعة المحيطة به كما فى حكايات «على الزئبق» مثلاً أو حكايات «أدهم الشرقاوي» ومصطلحات الحاكم بأمره وحكم قراقوش وغيرها من التعبيرات والأوصاف التى دوماً ما تسئ إلى الحاكم إلى أن جاءت ثورة يوليو 1952 وبدأ لأول مرة ذلك الحس الوطنى فى التنامى والتصاعد وحدثت ثورة فى علاقة الحاكم بالمحكوم وبزغت شمس المشاركة فى بناء الوطن والانتماء فى بدايات حكم الضباط الأحرار وإعلان الجمهورية العربية المتحدة وتغنى الشعراء والمطربون باسم الزعيم وقالوا «عبد الناصر حبيبنا، وصورة صورة كلنا كدة عاوزين صورة للشعب الفرحان تحت الراية المنصورة » قمة التوحد والمشاركة التى عبر عنها الفن والأدب إلى أن حدثت الهزيمة وإذا بالحالة النفسية والتركيبة الاجتماعية تعود إلى نقطة البداية ومفهوم الحاكم والسلطة المعادية.. ومع السادات تصاعد هذا الشعور حتى بعد العبور والنصر فى حرب أكتوبر 1973 ذلك لعدة أسباب أهمها انحسار التيار الناصرى وبداية سياسة اقتصادية للانفتاح أفرزت الكثير من الأمراض المجتمعية مع فكرة التصالح مع العدو الصهيونى فى كامب ديفيد وبداية الهجرة إلى دول النفط والصحراء وتنامى التيار الوهابى الذى قسم المجتمع إلى فئتين إحداهما تسمى المدنية أو العلمانية والأخرى الفئة المتدينة المتشحة بوشاح الإسلام السلفى والذى توحد فى فترات عدة مع جماعة الإخوان المسلمين وأفرزوا ذلك المسخ من الجماعات المتطرفة والإرهابية التى مازالت ترغب فى العودة إلى سدة الحكم ... القضية أنه فى ثورة 30 يونيو حدث التوحد الثانى للشعب المصرى مع الحاكم حين خطب الرئيس السيسى فى جموع الملايين الذين خرجوا للتخلص من حكم الإخوان وأصبح السيسى الذى يحنو على الشعب ويقول له إن المصريين «نور عينيه» أصبح بطلاً قومياً لن ينسى التاريخ ما فعله لإنقاذ مصر والمصريين والمنطقة العربية بأسرها من هول حكم الإخوان والجماعات الداعشية المتطرفة .
ما حدث ويحدث من حالة الغضب المكتوم أو تصديق البعض للإشاعات أو تداولها هو مجرد جرس إنذار لأن تعود الثقة والتوحد بين الحاكم و المحكوم فى علاقة شراكة لبناء الوطن وليس مجرد علاقة حب أو رفض .. هناك دور على الحكومة وعلى البرلمان وعلى جميع الجهات السيادية أن تدرك أن السلطة تستمد من الشعب وأن هذا الشعب لن يعبث بوطنه من أجل فيديو أو شخص وإنما الإرادة والوعى الوطنى لدى المصريين موجود ويحتاج إلى جسور من الحاكم لعودة الشراكة والتعاون والبناء معاً ... إنها جسور المواطنة التى يجب أن تبنى...